Site icon Lebanese Forces Official Website

حزب التعامل: تخاذل من “التنفيسة” الى معلولا!

في حزيران 1989، وبعدما تبيّن ان افق “حرب التحرير-التنفيسة” بات مسدوداً، وفي محاولةٍ منها لتسجيل بطولةٍ وهمية كيف ما كان، اطلقت البدعة العونية شائعةً حول موت الرئيس حافظ الأسد، فاشتعل محيط “بيت الشعب” بالرصاص ابتهاجاً، وقد سقط على اثر ذلك عددٌ من القتلى والجرحى وتحطّم زجاج العديد من السيارات.

في ذلك الوقت، لم يكن موت حافظ الأسد وغيابه خطراً على الوجود المسيحي في سوريا، لا بل كان المسيحيون السوريون بحدّ ذاتهم، “عملاء وخونة ومرتزقة”، بحسب ما صورّتهم الدعاية العونية يومها.

حينها كان المسيحيون السوريون القاطنين في المناطق الشرقية عرضةً لحملةٍ عُنصرية بغيضة قادها حزب التعامل العوني، وذلك على الرغم من ان العديد منهم وُلد في لبنان ولم يزر سوريا طيلة حياته، لا بل ان معظمهم تبنّى قضية سيادة لبنان وناضل في صفوف احزاب الجبهة اللبنانية، وسقط منهم مئات الشهداء في معارك الدفاع عن الكرامة والوجود والمصير.

في شباط من العام 1990 قامت ميليشيا حزب التعامل العوني باقتحام حي السريان في سد البوشرية، فاعتقلت عشرات السوريين المسيحيين واذلّتهم، وانزلت العجائز الى الطرقات واجبرتهم على جمع القمامة تحت وطأة الشتم والتنكيل والإهانات، ثم ما لبثت شاشة التلفزة التابعة لميليشيا التعامل ان عرضت مقاطع فيديو تُظهر فيها عشرات المسيحيين السوريين في مشاهد مُذلّة تقشعّر لها الأبدان، وهم “يعترفون” بانتمائهم الى “القوات اللبنانية”، وكأني بهم عملاء وخونة ومرتزقة.

في العام 1990 لم يكن النظام الأسدي “ضمانة الوجود المسيحي في الشرق”، على اعتبار ان المسلمين السنة كانوا في ذلك الوقت اقلية بسيطة في الشرق الأوسط مقارنةً بالمسيحيين، ولم يكن المسيحيون بالتالي، بحاجةٍ الى حماية نظام الأسد.

امّا اليوم فلم يعد وجود مسيحيي الشرق، مرتبطاً بوجود المسيح الحي والرسل والشهداء والقديسّين والحرية وحقوق الإنسان والكلمة والنضال، وإنما بوجود نظامٍ ديكتاتوري تدميري تكفيري، كنظام الأسد…

هذا ما تحاول بدعة حزب التعامل إيهام بعض الأغبياء به. صحيحٌ ان شرّ العونية ما يُضحك!!

هذه هي باختصار حقيقة “بطل” مسيحيي الشرق، وهكذا تذرف البدعة العونية دموع التماسيح على مسيحيي سوريا في سوريا، بعدما اضطهدت مسيحيي سوريا في لبنان، ودمرّت مقومات وجود مسيحيي لبنان في لبنان.

حقيقة “بطل” مسيحيي الشرق هي نسخة مُنقحّة عن حقيقة بطل “حرب التنفيسة”. تُعددّت البطولات الوهمية، والعونية هي هي.

حزب التعامل، إمّا انه أخطأ في ذلك الوقت لاعتقاده بأن زوال نظام الأسد لا يُهدد الوجود المسيحي، او انه يُخطىء الآن.

عندما روى شهداء “القوات اللبنانية” تراب لبنان رافعين شعار “امن المجتمع المسيحي فوق كل اعتبار”، كان غلمان البدعة العونية يطلون صلبان المقاومة بالطلاء الأسود، ويكتبون فوقها “انت لبناني فأنت أخي آمنت بالمسيح ام بمحمد”. اليوم، وبعدما اسهمت البدعة العونية في تدمير مقومات الوجود المسيحي، صار شعارها “امن النظام الأسدي فوق كل اعتبار”، و”انت مسلم سنّي فأنت تكفيري آمنت بثورة الأرز ام بالقاعدة”، وختامها مسك: “انت سيادي فأنت ارهابي آمنت بالمسيح ام بمحمد”!!

عندما احتضنت “القوات اللبنانية” مسيحيين مشرقيين مُضطهدين، من سريان وارمن واقباط واشوريين ومسيحيين آخرين، وضمتّهم الى صفوفها دون مِنّةٍ او تمييز، كان غلمان البدعة العونية يسوقون بحق هؤلاء المسيحيين المشرقيين ابشع النعوت، ويعتبرون ان في انضمامهم الى “القوات اللبنانية” مذمّة ما بعدها مذمّة. ولكن إذا اتتك مذمّتي من خائنٍ فهي الشهادة لي بأني مقاوم.

حكاية “بطل” مسيحيي الشرق لم تبدأ، لا في اشرفية المئة يوم، ولا زحلة نيسان الشهداء، ولا قنات صمود الجبل، وإنما انتظرت حتى ايلول 2013 لتبدأ في معلولا، وإنما بالمعكوس!

في معلولا، قصةّ بطولةٍ وهمية اُضيفت الى سجّل العونكيشوتية الطويل.

بتاريخ 7 شباط 2011 شاركت البدعة العونية في لقاءٍ داعمٍ للثورة المصرية التي جاءت بالإخوان المسلمين الى الحكم في مرحلتها الأولى. في ذلك الوقت، لم تكن تلك البدعة تأبه لمصير عشرة ملايين قبطي سيخضعون لحكم الإخوان، لأن جلّ همّها كان إزاحة حكم الرئيس مبارك الداعم القوي لسيادة لبنان، والمعارض لسياسة نظام الأسد، حتى ولو تولّى تنظيم القاعدة نفسه زمام الحكم في مصر.

بدعة حزب التعامل التي تجاهلت عشرة ملايين قبطي في مصر كرمى لعيون نظام بشّار، هي نفسها اليوم التي تختلق رواياتٍ من العدم في معلولا، وتُكذّب مواقف رجال الدين المسيحيين في سوريا، وتؤجج نيرانٍ طائفية لأغراضٍ كيماوية.

من الإسرائيليين الى الفلسطينيين، ومن العراق الى سوريا، ومن فرنسا الى ايران، هكذا تقلّبت وتنقلّت البدعة العونية طمعاً بكرسي الرئاسة. واليوم كما الأمس، إذا تعهدّت جبهة النصرة بدعم ترشيح رئيس البدعة العونية الى الرئاسة، فلا تستغربوا إن تحولّت البدعة العونية الى الداعم والمطبل والمهلل الأول لتولّي جبهة النصرة زمام الحكم في سوريا.

قبل وصول نظام الأسد الى الحكم في سوريا كان المسيحيون فيها يُشكلّون ما يُقارب من ثلث عدد سكانها، وكانوا يتبوأون ارفع المناصب، ومنهم على سبيل المثال لا الحصر فارس خوري الذي تولّى رئاسة الحكومة والمجلس النيابي في سوريا قبل ثورة البعث.

في العام 1973 ادخل حافظ الأسد مادةً الى الدستور السوري يُحظّر بموجبها على اي مواطنٍ مسيحي الترشّح الى منصب رئاسة الجمهورية السورية. عاشت “حقوق الأقليات”!!

في العام 1978 تعرضت الأشرفية للتدمير من قبل نظام الأسد، يومها لم تكن جبهة النصرة هي التي تقاتل داخل اسوارها، وإنما مجموعة مسيحية يقودها بشير الجميّل، وليس ايمن الزرقاوي. وفي العام 1981 حوصرت عاصمة الكثلكة زحلة ولم يكن بداخلها “ثوار باب عمرو” ولا “دولة العراق الإسلامية”، وإنما 99 مقاتلاً مسيحياً التزموا بأوامر قائدهم، بأن “الأبطال يموتون ولا يستسلمون”… وقطعاً لا يفّرون الى السفارة ولا يتآمرون.

تتحدث بدعة حزب التعامل عن “كانتونٍ طائفي ” كانت “القوات اللبنانية” تُزمع على إنشائه قبل ثلاثة عقود، ولكن عندما يتعلّق الأمر بـ”كانتون القصير” الذي يمهّد لولادة دولةٍ علوية في سوريا، وشيعية في لبنان، فمسألةٌ فيها تشجيع، وتصفيق وتهليل وتبريك!

تحاول العونية تصوير النظام الأسدي وكأنه حملٌ وديع، الهرّة تأكل عشاءه، لا يُدمّر كنائس، ولا يقتحم معلولا، ولا يضطهد معارضيه، ولا يقتل شعبه او شعب سواه!! ولكن نظاماً قصف شعبه بالكيماوي، بشهادة معظم دول العالم، لن يحترم لا معلولا، ولا 6000 معلولا، ولا حتى حاضرة الفاتيكان بحدّ ذاتها.

النظام الأسدي دمّر عشرات الكنائس في لبنان، في بيروت وزحلة وجبل لبنان، ودشّن دخوله الى لبنان بذبح رهبان دير مار جرجس عشاش، وقتل الراهبة ماري الزغبي وخطف الأخوين شرفان وابو خليل، وأخيراً وليس آخراً ما تكشّف في مخطط الأسد-سماحة من عملياتٍ امنية تستهدف رجال دين مسيحيين ومسلمين بغية تأجيج الفتنة في لبنان.

   حزب التعامل العوني يحاول ايهام البعض ان النظام السوري هو الضامن لسلامة المسيحيين ووجودهم… دون حريتهم. ولكن العيش من دون حرية هو شكلٌ من اشكال الموت.

يدافع حزب التعامل العوني عن المسيحيين ليس بالكلام المعسول الممزوج بالسم فحسب، وإنما من خلال وضعهم في كفّة واحدة مع نظامٍ مجرم مُدان عربياً وإسلامياً ودولياً.

حزب التعامل والتخاذل يرفض فكرة تأمين حمايةٍ دولية للمسيحيين في سوريا تحت الفصل السابع، لأنه يريد لهم أن يكونوا ورقة ابتزاز ومساومة في يد النظام الأسدي. أهلاً بـ “بطل” مسيحيي الشرق!

امّا “القوات اللبنانية” فهي لم تبخل بالدماء والتضحيات عندما دق الخطر على الأبواب، وهي اليوم تعتبر ان الحرية والديمقراطية والمساواة هي الضامن لوجود المسيحيين في الشرق، امّا إذا تعذّر ذلك على المدى المنظور، فالحل يكمن في تدويل الأزمة السورية وتأمين حمايةٍ دولية للمسيحيين في سوريا ولسواهم من المُضطهدين والمقهورين والمظلومين.

Exit mobile version