لا بد أن المسيحية في منطقة الشرق الأوسط تعيش مرحلة وجودية دقيقة وحساسة، هذه المنطقة التي تشكل مهد المسيحية وشرارة إنطلاقها الى العالم. منذ منتصف القرن الماضي ويشهد الوجود المسيحي تناقصاً ديموغرافي في مختلف بلدان الشرق الأوسط (تركيا، العراق، سوريا، الأردن ولبنان).
معظم الدراسات والأبحاث تحلل أسباب هذا التراجع أما تحديد النسل الممارَس لدى العائلات المسيحية، العامل الإقتصادي، التوترات السياسية والإجتماعية وحال ألا إستقرار التي دفعت بالمسيحيين الى الهجرة خارج دول الشرق الأوسط، وهي السبب الأبرز لاستنزاف المسيحيين ديموغرافياً.
رغم صوابية وواقعية هذه الإستنتاجات الموجبة والمسببة لهذا التراجع الديموغرافي، ولكن السبب الأساس يكمن في صراع مبادئ ونهج سياسي وإجتماعي. فبقاء المسيحي في هذا الشرق بحاجة إلى ترسيخ مبادئ مهمة وأساسية؛ العدالة، الحرية، المساواة وسيادة القانون اي التساوي في الحقوق والواجبات بين جميع المواطنيين.
نعم أنه صراع بين العقل والغريزة، بين النعمة والشهوة، بين الخير والشر، بين الحق والباطل. إن الله جعل من العقل والنعمة وإدراك الحق قدرة بشرية تميزه عن سائر المكونات الحية، جعل منها مبادئ سامية يستنير منها أحباء المسيح في نضالهم في إرساء المساواة وإحترام التنوع وحرية المعتقد وبناء مجتمعات يكون محورها الأساس ومرتكزها الإنسان.
نعم، في شرق أوسط لا يحكمه سوى العنف والشعور بمواطن درجة ثانية والذمية والعيش تحت لواء الحكام وسلطتهم والخضوع لإرادتهم او الموت، وضع المكونات المسيحية في هذا الشرق تحت خيارات متعددة:
1 – الإستسلام والعيش بذمية
2 – الهجرة والتخلي عن الرسالة الوجودية في الشرق
3 – المواجهة لنبقى ونستمر
المسيحي هو من يختار العيش في الارض التي آمنت وشهدت قيامة المسيح وانتصاره على الموت، والى انتشار المسيحية في العالم بفعل البشارة والكلمة والمثال الحي…
المسيحي هو المقتنع إن أوطاننا ليست استثمارات وفندق سياحي بل نضال وشهادة وايمان بالدور الذي أراده الله لمسيحي الشرق…
المسيحية ليست صفة على هوية بل ممارسة وقناعة، على المسيحيين ان يكونوا لاعبا أساسيا في صناعة الأحداث وان لا يجلسوا على ضفاف الأنهر بإنتظار المتغيرات، فإن من يصنع الأحداث يدخل التاريخ.
المسيحية ليست العيش بذمية وأتباع بل هي نور الحق وقول الحقيقة مهما كانت صعبة. أيهما ظلمه أكبر وأجبر هل الإمبراطوريات الرومانية الوثنية أو الدكتاتوريات التكفيرية؟ لماذا أسلافنا إستشهدوا من أجل المسيح وأجيالنا هذه لا تجدي نفعاً سوى إما الهرب أو الخنوع والخضوع لسوط وجزمة الجلاد؟
لا يمكن للمسيحي أن يكون مع الظالم ضد المظلوم، ومع القاتل ضد المقتول، والقمع ضد الحرية، لا يمكن للمسيحي أن يهرب أو أن يتبع أنظمة وأحزاب تتعارض مع المبادئ والأسس والقيم المسيحية.
على المسيحي رفض كل عنف وظلم وتكفير وقتل واستبداد.
على المسيحي أن يدفع ثمن إلتزامه بقيمه ومبادئه بفخر وليس ثمن خوفه وتبعيته ومصالحه الآنية الذاتية الشخصية، مفضلاً مصالح ظرفية على مصلحة الجماعة الاستراتيجية البنيوية.
ما نفع الإنسان إن ربح العالم كله وخسر نفسه؟ نعم ما نفع المسيحي أن ربح حياته البيولوجية والجسدية وخسر حريته الكيانية الشخصية. جاء في كتابات “الكثير المطلوب” للدكتور شارل مالك: “بإمكان الموارنة أن يتساهلوا في كل شيء، أو يتفاوضوا حول أي شيء ما عدا هذه الحرية الشخصية الكيانية. من دونها لا وجود لهم وحتى لا معنى لوجود لبنان، حتى إن وُجد. ووجوده عندئذ كعدم وجوده تماماً، وعندما يتساوى الوجود وعدمه، ينعدم. أما بوجود هذه الحرية، قائمة مضمونة ثابتة، فباستطاعتهم مع الزمن أن يستعيدوا كل شيء، تساهلوا به أو تنازلوا عنه. أما من دونها فما يملكون، أو يظنون انهم يملكون، سيخسرون”.
تقف الغريزة الى جانب العقل عند الإنسان وأخطر ما يواجه الإنسان هو صراع الغريزة والعقل، على المسيحي المشرقي أن يقاوم بعقله وليس بغريزته من يقاوم بالغريزة يسوق جماعته الى المهالك والخراب والدمار والإنحراف الخطير. المسيحيون بحاجة الى قيادة ذات النزعة العقلية في الحكم والملتزمة رعاية شعوبها وأوطانها وفق المبادئ التي إستشهد وقام من أجلها المسيح و كذلك استشهد المسيحيون عبر العصور.
المسيح إستشهد رفضاً للتبعية أو للتراجع عن قول الحقيقة ودفعنا للعيش بحرية كيانية شخصية، هذه المسيحية التي نعرفها وناضلنا ونناضل من أجلها، هذه المسيحية المشرقية التي عهدناها وقراءنا عنها.
لا مكان لليأس والبكاء على الأطلال، إن كلنا إيمان ورجاء أن دورنا ليس بقاء جسدي فيزيوليجي وعددي، بل هو رسالة ذات معنى وجودي. الحضور المسيحي ليس عرضيا أو مستجدا فلننخرط إنخراطاً أكثر فعالية وتأثيرا في بناء مجتمعاتنا وأوطاننا..