لا يُلام علي على مواقفه هذه، فلربّما ظنّ بأن أميركا تتحاشى الموقعة مع القمصان السود لما لهذه القمصان من سوابق، وبأنها ستفشل حتماً في مواجهة ثبات الممانعة وعزيمتها من أمام السفارة الأميركية في عوكر… ارتعبت الولايات المتحدة لخوفها من أن تصبح المعادلة البعثية قائمة على ما بعد بعد واشنطن بدل ما بعد بعد حيفا… تفسير بسيط وفق منطق السفير السوري.
الواقع، أن علي ونظامه وحلفاءه في لبنان يعيشون مرحلة انبطاح أملاً منهم بتمرير عاصفة الكيماوي، قبل خطوة واحدة من سقوط القمة… إنه انبطاح ما قبل السقوط، وكل ما تحويه معاني هذا السقوط من هزيمة بحق نظام البعث في سوريا والممانعة في لبنان، وما يزرعه قرب السقوط أيضاً من حذر شديد وضياع البوصلة العربية وقبل كل شيء الوطنية.
“لولا صمود سوريا لما وجدنا هذا التراجع الأميركي”، يقول علي غير آبه بعدد الأبرياء الذين سقطوا، فهل الصمود بالموت أو بالقتل؟ إنما الصمود بالوقوف الى جانب الشعب، غير أن النظام لم يقف مرة في صفوف شعبه، ولم يحمِ المسيحيين كما يدّعي، فما ارتكبه الأسد الأب بحقّ مسيحيي لبنان هو نفسه ما يرتكبه الأسد الابن بحق مسيحيي سوريا.
وهل صمود سوريا يمكن اختصاره بشخص واحد كبشّار أو زوجته الصامدة في حياة الجخّ والبزخ والترف؟ أو هو الصمود بأن الأسد بلغ عامه الـ48 من دون أن يتمكن الشعب من الانتقام منه؟ فإن مسألة إعلان صمود سوريا أو النظام السوري من لبنان هي مسألة لا تروق للبنانيين الذين قاسوا الويلات من نظام الأسد في لبنان، وهو أمر بالتأكيد لا ينطلي على الأحرار من اللبنانيين، ولا شكّ في أن فكرة “الصمود” تلك التي يطلقها علي وتحليله بشأن “تراجع أميركا”، يعلم الممانعون أنفسهم أنها مجرّد مواقف لشدّ العصب الممانع ومنع تمزّق نسيجه.
ويبشّر علي بأن “محور المقاومة كان جاهزاً لمواجهة أي عدوان على سوريا”، على الرغم من أن كل التحركات التي قام بها النظام من تبديل أماكن الضباط السوريين وتهريب بعضهم ونقل مكان الأسلحة الكيماوية الذي عادت واكتشفت الولايات المتحدة مكانه الجديد، وهروب المسؤولين العسكريين الذين حددت الولايات المتحدة نقاط تواجدهم عبر مطار رفيق الحريري في بيروت، ثم خضوع الممانعين للإرادة الغربية والمبادرات الكثيرة… كل هذا يؤكد أن الصمود والممانعة باتا في خبر “كان”، الفعل الماضي الناقص الذي يبني عليه السفير أخباره… وبطولات نظامه!
فلا القتل صمود ولا الاختباء ممانعة، إلا أن السفير السوري أراد أن يقول ما معناه بأن سوريا “تنازلت” عن المواجهة “اختصاراً للكوارث والدماء” موحياً بأن البعث السوري يعوّل على “أي حل سياسي”… البعث الذي هدر دمّ الشعبين اللبناني والسوري يسعى اليوم الى حل سياسي يبقيه على كرسي الرئاسة أو على الأقل يحمي رأسه “المدبّر”..
نظام يحكم بالحديد والنار، يا لقلبه الكبير وصدره الرحب لمقته الحرب وعشقه للسلم! فليت الخجل يكون مرة سيد الموقف في جملة هذه المواقف التي يطلقها علي من لبنان قائلاً: “سوريا هي الخاسر الاقل في هذه المعادلة في مقابل خسارة أكبر للجهة المقابلة”… إن كان يعتبر بأن سوريا هي الخاسر الأقل فإن لبنان سيكون الخاسر الأكبر وكذلك المنطقة بكاملها التي يشكل خطراً عليها النظام السوري… ثم أليس من المعيب القول إن سوريا “هي الخاسر الأقل”؟ وهل التضحيات التي قدّمتها المعارضة وتحديداً الطائفة السنية لا يعتبر خسارة؟ طبعاً إن كان القتل هو الهدف فإن النظام السوري يكون قد ربح!
ولأن سوريا، بحسب منطق علي، هي الرابح، فيخلص الى القول إن “الحوار بين الاقوياء هو الذي يوصل الى نتائج”، وفرضية القوة تسقط لأن سوريا خسرت شعباً وجيلاً كاملاً لتربح أملاً بالتغيير. النظام اليوم في سوريا وحده الحلقة الأضعف، والأيام المقبلة ستعلن خروجه من اللعبة بفخّ إحدى المبادرات أو الصفقات، ويخرج معه سفيره من لبنان باحثاً عن مكان “يمانع” منه!