كتب معروف الداعوق في صحيفة “اللواء”:
يوماً بعد يوم يزداد تساؤل اللبنانيين عن الأسباب التي دفعت «حزب الله» وأتباعه في السلطة التزام التكتم الشديد بشأن التحقيقات التي أجريت لكشف مرتكبي جريمة التفجير الإرهابية في منطقة الرويس في الضاحية الجنوبية مؤخراً، بالرغم من إعلان الأمين العام للحزب حسن نصر الله عن الإمساك بخيوط عديدة وبشّر الناس بقرب الإعلان عنها للرأي العام، ولكن مرّت أسابيع عديدة وزادت الشكوك والتساؤلات عن الجهات المرتكبة لهذه الجريمة النكراء وعما إذا كان التكتّم متعمّداً لإبقاء المرتكب مجهولاً كي لا يتسبّب بحرجٍ أو إرباك للحزب وحلفائه على حدٍّ سواء.
فمن المعلوم للجميع بأن أجهزة الحزب كانت السبّاقة بوضع اليد على الأدلة التي خلّفها الانفجار، ثم سُمح بعد ذلك لأجهزة الدولة الرسمية بالقيام بالتحقيقات واستخلاص الأدلة المتبقية، وبالرغم من سرعة الكشف عن بعض ملابسات جريمتي التفجير الإرهابيتين في طرابلس وإلقاء القبض على المشتبه فيهما وإحالتهما على القضاء وفضح الجهات المتورطة بهذين التفجيرين وتسمية ضباط المخابرات السورية المعنيين، لوحظ إسدال ستار من السرية والتكتم عن كل التحقيقات التي جرت بشأن متفجرة الرويس وكأن هناك من أوعز لتجهيل المتورطين في سيناريو مشابه عندما تم اغتيال المسؤول البارز في «حزب الله» عماد مغنية منذ سنوات في قلب المربع الأمني للمخابرات السورية في دمشق، ويومها بشّر وزير الخارجية السوري وليد المعلّم اللبنانيين بإعلان نتائج التحقيقات في الجريمة المذكورة في غضون ثلاثة أيام، ويبدو أن مفعولها ما يزال مستمراً حتى اليوم ولم يكشف عن نتائج موثوق بصدقيتها، وكل ملابساتها بقيت طي الكتمان لعدم إحراج نظام بشار الأسد وتحميله مسؤولية مباشرة أو غير مباشرة بما حصل بالرغم من أهمية ومكانة عماد مغنية في الحزب.
وما يزيد بالتساؤلات والشكوك هو أن تفجير منطقة الرويس لم يكن مفاجئاً، وكان سبقه تفجير بئر العبد الارهابي أيضاً، ويومها استنفر «حزب الله» ونشر عناصره في كل أنحاء الضاحية الجنوبية، فكيف تمكّن الفاعل من التسلل بهذه السهولة ووضع السيارة الملغومة في هذه المنطقة الحساسة والموضوعة تحت المراقبة الشديدة أمنياً، وهذا الأمر يطرح مزيداً من الأسئلة عما إذا كان من قام بهذه العملية الارهابية يملك التسهيلات المطلوبة للتحرك بحرّية وجرأة وارتكاب جريمته في وضح النهار غير عابئ بالاستنفار الأمني المفروض على المنطقة.
فاكتشاف أن السيّارة الملغومة كانت قد أوقفت عمداً في المنطقة وثبوت عدم حصول عملية انتحارية، يُعزّز الشكوك السائدة بأن من قام بهذه الجريمة، ليس من الخصوم الذين صورهم الحزب في ردود فعله الأوّلية وعبر وسائل اعلامه وأدواته الترويجية وكأنهم ينتمون لهذه الدولة العربية كالمملكة العربية السعودية وغيرها أو من المعارضة السورية أو من السلفيين أو التكفيريين وغيرهم، وإلا لكان اقام الدنيا وأقعدها ونشر على الفور كل صغيرة وكبيرة من التحقيقات التي انكبت عليها اجهزته الحزبية بكل طاقتها او الأجهزة الرسمية المتعاونة معه عالمكشوف، للتشهير بهؤلاء المرتكبين وفضحهم على الملأ، والسعي قدر الإمكان لتشويه صورة خصومه السياسيين في الداخل والخارج على حد سواء، ولكن يبدو أن التكتم والصمت المطبق على نتائج التحقيقات التي يبدو انها لن تكشف بعد أن تم الادعاء على مجهول في هذه الجريمة الإرهابية التي أودت بحياة العشرات من الابرياء ومئات الجرحى وهدمت الكثير من المنازل، ستبقى مكتومة لغايات وأهداف محض سياسية لئلا يفاجأ سكان الضاحية بهوية المرتكب والمحرض على حدّ سواء، والذي لن يختلف عن مرتكب جريمتي طرابلس، وهدفه على الدوام إثارة الفتنة بين اللبنانيين.
لذلك، فان «حزب الله» مطالب كما الأجهزة اللبنانية الرسمية التي تحقق في هذه الجريمة الإرهابية بكشف الحقائق امام الرأي العام ولو تأخرت نتائج التحقيقات لبعض الوقت ولأي سبب كان، لتبديد الشكوك والتساؤلات ووضع الأمور في نصابها، ولكي يعرف اللبنانيون من هم اعداؤهم الحقيقيون، وإلا فان التستر على الحقيقة كما هي الحال في الوقت الحاضر، يصب في خانة اتهام حلفاء الحزب من النظام السوري بارتكاب جريمة الرويس وهذا ليس بالطبع لمصلحة الحزب الذي غرق في استثمار نتيجة هذا الانفجار بتكريس صيغة الأمن الذاتي في مناطق نفوذه، الأمر الذي يزيد من نقمة الناس ونفورهم من تصرفاته وممارساته التي ترتد عليه سلباً سياسياً وشعبياً على حد سواء.