فللمرة الاولى منذ انزلاق الثورة السورية الى العسكرة قبل نحو عامين ونصف العام، قدّمت روسيا أول تنازل فعلي عندما اقرّت، وإن مداورة، بحصرية امتلاك النظام السوري السلاح الكيماوي بعد إلصاقها مع حلفائها تهمة استخدامه بالمعارضة. فقد اقتصر عرضها على الاشارة الى الترسانة الرسمية من دون الطلب من المعارضة تسليم أي مخزون كيماوي.
رغم ذلك تلقف النظام السوري، الذي طالما رفض الاقرار بامتلاكه هذا النوع، الطرح الروسي وسارع للموافقة عليه وصولا الى الاعراب عن استعداده للتوقيع على “معاهدة حظر الاسلحة الكيماوية” التي دأب على رفض الانضمام لها بذريعة التوازن مع النووي الاسرائيلي.
أمام الطرح الروسي المفاجئ لم تجد الولايات المتحدة وحلفاؤها، ممن كانوا على أهبة توجيه ضربات عسكرية محدودة لمنع استخدام هذا السلاح، بدّاً من إعطاء فرصة جديدة للنظام القاتل مرهونة بمهل زمنية وبسلوك عقابي يصدر عن مجلس الامن الدولي.
لكن وبسرعة ظهرت بوادر مبكرة لفشل التحرك الروسي الذي أرجأ ضربة عسكرية لنظام متهاوٍ خشية ان تقضي عليه دفعة واحدة . فقد دعت موسكو الى إرجاء اجتماع لمجلس الامن الدولي ارادت فرنسا ان تطرح عليه مشروعاً للتعامل مع الاقتراح الروسي يربط تملّص سوريا من الالتزام بتطبيق الفصل السابع الذي يسمح باستخدام القوة، كما اشترطت وفق معلومات صحافية ان تعلن الولايات المتحدة إلغاء الضربة العسكرية لتتابع السير في خطتها. وينص الاقتراح الفرنسي، وفق ما تسرب عن مسودته، على كشف سوريا وفتحها “خلال 15 يوماً” جميع مواقع الاسلحة الكيماوية امام مفتشي الامم المتحدة ويسمح “في حالة عدم تقيّد السلطات السورية ببنود القرار” بتبني اجراءات ضرورية تحت الفصل السابع من ميثاق الامم المتحدة.
في هذا الوقت أثار انصياع الولايات المتحدة وفرنسا اساساً لما تحوكه روسيا غضب المعارضة التي عزته مع حلفائها العرب، خصوصا الدول الخليجية، الى تردد أوباما في تبنّي خيار عسكري لا ينسجم مع طروحاته، فدانت بوضوح المبادرة الروسية لحصرها الازمة بالسلاح الكيماوي، لكأن القتل بسلاح آخر يبقى مسموحاً.
ويدرج سياسي لبناني متابع بدقة الموافقة السورية السريعة في اطار سلوك النظام البعثي وخبرته في التسويف والمماطلة بانتظار مستجدات ما. ويلفت، مذكراً بقضية اسلحة الدمار الشامل في العراق، الى تعقيدات وطول المدة التي تستغرقها السيطرة الاممية على الكيماوي وتدميره، ويذكّر بالمبادرات السابقة التي وافق عليها الاسد لمجرد كسب أشهر اضافية بدءاً من مهمة المراقبين العرب عبر جامعة الدول العربية وصولا الى مهمة المراقبين الدوليين عبر الامم المتحدة.
ويرى ان الولايات المتحدة وفرنسا اللتين أعطتا فرصة للمناورة الروسية، لم تتراجعا عن تمسكهما بضربات عقابية خصوصاً ان الاسد يستخدم هذا السلاح لقلب الموازين كلما اقتربت المعارضة من نصر حاسم كما جرى في ريف حلب ثم ريف ادلب وأخيراً الغوطة في ريف دمشق. فهما لن يتركا المدى الزمني مفتوحاً ولم يسحبا بوارجهما وقطعهما العسكرية من البحر المتوسط، كما ان التحضيرات العسكرية والاستخباراتية لم يلحق بها أي ارتخاء. فعلى الرغم من طلب الرئيس الاميركي باراك أوباما إرجاء تصويت الكونغرس، اتى كلامه الى الشعب الاميركي واضحاً بشأن تصميمه على صون هيبة بلاده ومصداقيتها وتفوقها.
ويرى المصدر أن الاقتراح الروسي هو أول خطوة فعلية من موسكو للمساومة على رأس الاسد عبر حصر وجود الاسلحة الكيماوية بيد النظام. فملكيتها الحصرية تعني حصرية استخدامها وحتمية المعاقبة. فعلى الرغم من اشتراط النظام السوري عدم تحديد المفتشين الدوليين مصدر الكيماوي فإن تقريرهم المنتظر في الايام المقبلة والذي سيؤكد وفق كل المؤشرات استخدام الكيماوي سيعني حتماً ان النظام هو من استخدمه، ومن يستخدمه لن يفلت من العقاب ولن يكون على طاولة المفاوضات. كما ان هذه المناورة تسهّل على أوباما عبور طريق الكونغرس اذ تبرر له التدخل العسكري.
وبذلك تكون المبادرة الروسية سواء نجحت او فشلت، مؤشراً إلى أن أوان الحل في سوريا قد حان إن بالطرق الديبلوماسية أو بالضربات العسكرية مع ما سيليها من دعم لـ”الجيش السوري الحر”، ما يجبر الاسد على التنحي، لان من يثبت استخدامه للكيماوي يصبح مرفوضاً في أي تسوية كما يصبح عبئاً على حلفائه اسوة بأنظمة سابقة ثبت استخدامها للكيماوي، ويفتح ذلك الطريق امام حلّ سياسي قد يتم على طاولة “جنيف 2” مع حكومة انتقالية كاملة الصلاحيات تضم المعارضة وشخصيات من النظام لم تتلوث أيديها بالدماء.