.jpg)
كتب جورج بكاسيني في “المستقبل”:
في غمرة التطورات المتسارعة حول سوريا، وفي ظلّ الانشغال العربي والإقليمي والدولي غير المسبوق بهذا الملف وبتداعياته على سوريا وعلى دول المنطقة، تعود بعض القيادات الحليفة للنظام السوري في لبنان الى مربّعها الأول الذي لجأت إليه منذ انطلاق الثورة السورية قبل عامين ونصف العام وكأن شيئاً لم يتغيّر: الدفاع عن نظام بشار الأسد.. و”الخوف” على مصير المسيحيين في سوريا ولبنان في حال سقوط هذا النظام!
ومن دون الغوص في التناقض الصريح الذي تقوم عليه هذه المعادلة (مع الشيء وضدّه)، تُظهر الوقائع العلنية وغير العلنية التي تسجّلها هذه القيادات جنوحاً نحو حماية الأسد وحماية أنفسها بدلاً من حماية المسيحيين المزعومة. وإذا ما تمّ الاستناد الى عيّنتين مسيحيتين، هما رئيس تكتل “التغيير والإصلاح” العماد ميشال عون ورئيس تيار “المردة” النائب سليمان فرنجية، أمكن الوقوع على خلاصات واضحة تقطع الشك باليقين: دعم الأسد والاستقواء به والتحوّط لما بعده.
كيف؟
في الخطاب المعلن سجّل كلا الزعيمين المشار إليهما مجموعة من المواقف التي حملت المعنيين معاً، فالعماد عون الذي سبق حليفه “حزب الله” في مواقف الدفاع عن نظام الأسد بذرائع مختلفة كان آخرها “بدعة معلولا” و”خوفه” على مصير المسيحيين في سوريا، سلك منذ فترة مساراً موازياً يسعى من خلاله الى الاحتفاظ بـ”مقعد” له مع الزعامة السنيّة في دنيا العرب وفي لبنان، عن طريق تواصله المستجدّ والمتواصل مع سفير المملكة العربية السعودية علي عواض عسيري، من جهة، وإشاراته “الإيجابية” المتتالية إزاء الرئيس سعد الحريري وتيار “المستقبل” من جهة ثانية.
وكذلك هو حال النائب فرنجية الذي لم يكتفِ في مواقفه التلفزيونية الأخيرة بدعم نظام الأسد وإنما ذهب أبعد من ذلك الى حدود إعلان “انتصار” الأسد في معركته ضد المجتمع الدولي على قاعدة أن خيار الضربة العسكرية لسوريا قد “سقط”. وفي المقابل، لا بل في المقابلة نفسها، دعا فرنجية، وبالفم الملآن، مسيحيي 14 آذار الى “لمّ” الفريق المسيحي الآخر (أي حمايته)، والمقصود هو نفسه، في حال سقط النظام السوري وانتصر الفريق المقابل.
هذا في العلن، أما في السرّ، فلا يخفي الإثنان قلقهما إزاء تطوّر الأوضاع في سوريا، وتقدّم المواقف الدولية باتجاه ضرب النظام السوري عسكرياً أو من خلال سحب عناصر تفوّقه على المعارضة السورية وأهمها السلاح الكيماوي. وتقرّ أوساط مقربة من عون لـ”المستقبل” أنه يبدي قلقاً غير مسبوق في اجتماعاته الحزبية الداخلية إزاء هذه التطورات، ويجري حسابات متعدّدة لا بل متضاربة في بعض الأحيان من أجل ضمان موقعه في أي تحوّل إقليمي محتمل.
ولذلك لا يخفي الجنرال، حسب الأوساط، سياسة لعب “كل الأوراق” وباتجاه كل الأطراف في الآونة الأخيرة، عن سابق تصوّر وتصميم، تجنباً لتكرار نتائج 13 تشرين 1990 حيث دفع ثمن لعبه ورقة واحدة. ويؤكد أمام القريبين منه أن ما يجري في سوريا أخيراً، ومن حولها، إنما يشي بتحولات كبرى في المنطقة لا بد أن يكون لها نتائج مباشرة في لبنان، ما يجعله مضطراً الى الانفتاح باتجاه كل الأطراف المعنيين محلياً وإقليمياً، بما في ذلك الدول العربية المعنية بهذا الصراع.
أما النائب فرنجية فيبحث عن “حاضنة” أخرى في حال سقوط النظام السوري، وتحديداً مسيحية، لا محلية أخرى ولا عربية، والمقصود هنا حزب الكتائب الذي لم يقطع صلاته به في كل الأوقات، وأيضاً “حزب القوات اللبنانية”، رغم الخصومة المزمنة معه.
وتؤكد أوساط من فريق فرنجية لـ”المستقبل” أن هاجسه الأساسي في هذه المرحلة يكمن في هذه المعضلة بالذات، أي احتمال سقوط الأسد، وتكشف النقاب عن “نقاش داخلي” جرى بين فرنجية وفريق المحيطين به منذ أيام، ذهب فيه الى حدّ إظهار استعداده لـ”مصالحة حقيقية” مع رئيس حزب “القوات” الدكتور سمير جعجع (أي طيّ صفحة اتهام جعجع باغتيال والده) إذا أبدت “القوات” استعداداً لـ”حمايته” وحماية حالته السياسية في حال سقوط النظام السوري، وموافقتها على استمرار “التعددية” السياسية داخل الصف الماروني.
وثيقة فرنجية
وتكشف هذه الأوساط أن موقف فرنجية هذا لم يقتصر على النقاش الداخلي بين أربعة جدران وحسب، وإنما ورد حرفياً في نصّ وثيقة رفعها تيار “المردة” الى مؤتمر بيت عنيا المسيحي الذي عُقد قبل أسبوعين تضمّنت سؤالاً صريحاً ومباشراً في البند السادس منها جاء في حرفيته: .. “أما في حال انتصار مشروع على آخر، فهل يستطيع الفريق المسيحي المتحالف مع المنتصر (في سوريا) أن يحمي كل المسيحيين ويحافظ على دورهم ووجودهم؟”.
جاء ذلك في سياق مجموعة من الأسئلة طرحتها وثيقة “المردة” حول ما سمّته “الصراع السنّي الشيعي في لبنان والمنطقة” وانعكاسه على المسيحيين، مثل:
“أولاً: هل ما تشهده المنطقة من هجرة المسيحيين وتهجيرهم هو مجرّد صدفة أو مخطّط يُرسم له؟ وكل هذا لمصلحة من؟
ثانياً: ما هو الموقف من الصراع العربي الإسرائيلي اليوم؟
ثالثاً: ما هو موقفنا من سلاح المقاومة، وما هي مصلحتنا في مواجهته بدلاً من استخدامه كورقة في سبيل بناء السلام العادل والشامل وعودة الفلسطينيين الى بلدهم والتخلّص من آفة التوطين؟ وما هو موقفنا من السلاح الفلسطيني في لبنان، وما هو السبيل الى نزعه؟
رابعاً: هل نحن أمام تقسيم جديد للمنطقة؟ وما هو موقفنا وما هي استعداداتنا لمواجهة هذه المخاطر؟.
خامساً: في ظل النزاع الدولي والإقليمي الذي يغذّي الصراع السنّي الشيعي في المنطقة، هل يستطيع المسيحيون أن يكونوا جسر تواصل بين الفريقين؟ وهل هم جاهزون للعب هذا الدور؟ وما هي الوسائل التي يجب اعتمادها من قبل المسيحيين من أجل تخفيف حدّة الاحتقان الذي قد يفجّر البلد؟”.
ورقة عون
هذه الوثيقة التي انطلقت في مقدمتها من فكرة جوهرية عنوانها أن المسيحيين يواجهون “أزمة وجود لا أزمة خيارات في وسط الحروب، والثورات، والثورات على الثورات، وظهور المجموعات التكفيرية وازدياد الهجرة وتحوّل لبنان الى مركز للاجئين الفلسطينيين والسوريين وغيرهم..” تقاطعت مع أفكار مشابهة وردت في الورقة التي تقدّم بها العماد عون الى المؤتمر نفسه (وبقيت أيضاً طيّ الكتمان).
في ورقة عون كمّ أكبر من الأسئلة تبحث عن “حماية” لصاحبها من باب طرح السؤال وعكسه، مثل:
“.. هل يتّجه الربيع العربي الى قيام أنظمة ديموقراطية أم الى التطرّف؟ أين تذهب المنطقة على مستوى الفكر السياسي الناظم لمجتمعاتها؟ هل تتجه نحو انتصار الإسلام السياسي بالتحالف مع توجّه غربي إسرائيلي؟ أم على العكس نحو انكساره صوب ديموقراطية ليبرالية تعددية؟ هل يراهن المسيحيون على أحد أطراف الإسلام السياسي المتنافسة؟ هل يمكن التحالف مع مذهب ما، وفق نظرية تحالف الأقليات؟ أو التحالف مع مذهب آخر استناداً الى مبدأ الاحتماء بالأكثرية؟ أو توزيع الأدوار بين المذهبين وانتظار نتيجة الحرب النهائية؟ أم السعي الى ابتكار دور جديد وهوية جديدة كما فعل المسيحيون يوم رفعوا لواء القومية العربية، حين كانت الإمبراطورية العثمانية الإسلامية تسقط؟”..
وفي المسألة السورية، تثير الورقة أسئلة مباشرة أكثر وأكثر، على نحو:
“.. الى أين تذهب سوريا وما هي الاحتمالات؟ سقوط النظام؟ لصالح أي نظام بديل؟ كيف التعاطي مع هذا الوضع؟ هل يراهن البعض على تقسيم سوريا لانتقال عدوى الكيانات المذهبية الى لبنان؟ ما هي إيجابيات ذلك أو مخاطره، فضلاً عن احتمالاته؟ هل من رهانات على انتصار أي من طرفي الصراع في سوريا؟ هل يمكن للفوضى السورية أن تحمل فرصاً للبنان وللمسيحيين؟ هل تشكّل الفوضى السورية مثلاً فرصة لإعادة إحياء التوازن الداخلي في لبنان؟ هل تساعد الفوضى السورية على تطوير الصيغة الميثاقية في لبنان، كما رست عليه بعد اتفاق الطائف، كما طبّقته الوصاية السورية في حينه؟ هل يقدر السنّة اللبنانيون من جهة، والشيعة اللبنانيون من جهة أخرى، على أخذ كل منهما “وقتاً مستقطعاً” من الحرب السورية، وهامشاً سعودياً للأول، وإيرانياً للأخيرين، بما يحوّل الحرب السورية فرصة لا خطراً؟”.
ولم تنسَ ورقة عون العودة الى وَتَر “الديموغرافيا والجغرافيا” في الفقرة د:
“ماذا عن التوازن الديموغرافي؟ ماذا عن واقع الهجرة اللبنانية وتوزعها مناطقياً وطائفياً؟ ما هي أرقامها الحالية الدقيقة، وتوقعاتها المستقبلية؟ والأهم ما هي أسبابها وسبل معالجتها والحد منها ومن مخاطرها؟.
ثم ماذا عن انحسار الانتشار الجغرافي وتضاؤل الملكية المسيحية العقارية؟ كيف باتت الخارطة العقارية للبنان العيش المشترك اليوم؟ هل ثمة خطوط تماس عقارية فعلية استعيض بها عن خطوط التماس العسكرية؟ أم أن التواصل الجغرافي والحياتي لا يزال مكفولاً بحرية وكرامة لكل اللبنانيين، ولكل المسيحيين على مساحة الوطن؟ وما هي أسباب الأزمة على الصعيد العقاري ووسائل مقاربتها؟”.
وبطبيعة الحال لم تتجاهل الورقة استحقاق رئاسة الجمهورية في 2014، لا بل أفردت له باباً كاملاً باعتباره أم الهواجس، جاء فيه ما حرفيته:
استحقاق 2014:
“كل هذه المشاكل مطروحة، اليوم، فوراً وجملة وتفصيلاً، فضلاً عن استحقاق سياسي محدد آتٍ: انتهاء ولاية رئيس الجمهورية في 25 أيار المقبل، وضرورة انتخاب خلف له في مهلة دستورية تبدأ في 25 آذار، أي بعد أقل من ستة أشهر من الآن. فماذا عن التوقعات لهذه الاستحقاق، وماذا عن التحضيرات له؟
هل يتم الاستحقاق في مواعيده؟ في هذه الحال، أي خيارات هي الفضلى للمسيحيين ولبنان، وأيها قابل للتحقق؟ وهل يحق للمسيحيين أن يحلموا برئيس قوي وإصلاحي؟
هل يتعطل الاستحقاق وندخل مجدداً في فراغ رئاسي؟ كيف تُدار تلك المرحلة في حال حصولها؟ أي حكومة بأي صلاحيات لأي دور ومهمة؟ ما هي ضرورات التحوط لهذا السيناريو؟
في حالة الفراغ، هل نتجه الى نموذج فراغ 2007، وبالتالي لملمة النظام المأزوم نفسه، وترميمه بما يتيسر ويلزم لإدارة أزماته المستدامة؟
أم نتجه بعد 25 أيار 2014 الى نموذج فراغ ما بعد 23 أيلول 1988، وبالتالي سقوط النظام والذهاب الى “طائف جديد”؟.
في حالة تكرار تجربة 2007 2008، أي تحضير لهذا السيناريو؟ أي خيارات وأي أدوات شغل لمواجهته؟
في حالة تكرار نموذج 1988 1990، أي عواصم مرشحة لرعاية اتفاق لبناني جديد، بعد إحراق الأوراق السعودية والقطرية في الأزمة السورية (لا طائف ولا دوحة)؟ هل من دور مسيحي ممكن على هذا الصعيد، تحضيراً لاختيار المدينة الحاضنة؟ هل من استعداد مسبق عبر أوراق العمل ومقترحات التعديلات المطلوبة في النظام وجس نبض المعنيين بهذا وتسويقها تمهيداً لإقرارها؟.
في هذا السياق، هل قام المسيحيون بقراءة نقدية وموضوعية لأسباب حرب لبنان، لتجنب الوقوع فيها مجدداً؟.
هل انكب المسيحيون على تقويم اتفاق الطائف؟ وهل أدركوا بعد ممارسة عقدين ونيف ما هي ايجابياته وسلبياته؟.
هل تقتضي فتح باب تعديل الدستور أم من المستحسن أن يبقى مغلقاً خشية أن يدفع المسيحيون الثمن مرة أخرى؟.
ما هي البنود الواجب تعديلها في الدستور لإعادة التوازن المفقود في صلاحيات رئيس الجمهورية؟ وما هي الشروط الواجب توافرها لإعادة هذا التوازن؟”.
أسئلة أخرى
هذه الأسئلة التي لم تلامس أي إجابة في ورقتي عون وفرنجية، على شرعية جزء منها، ألا تقتضي توجيه عيّنة صغيرة من الأسئلة الأخرى لأصحاب هاتين الورقتين، من نوع:
ـ كيف يمكن التوفيق بين هذه الأسئلة “القلقة” على مصير المسيحيين، والهجوم المركّز من صاحبي الورقتين على رئيس الجمهورية الموقع المسيحي الأول في لبنان.. والوحيد في العالم العربي؟
ـ كيف يمكن التوفيق بين الصراخ الواضح في الورقتين، كما على شاشات التلفزة، قلقاً على مسيحيي سوريا، وبين الصمت الكامل إزاء المفقودين المسيحيين اللبنانيين في سجون النظام السوري منذ عقود؟
وأخيراً وليس آخراً: إذا كان مشروعاً الخوف من التطرّف السنّي في سوريا وفي دول عربية أخرى، كما يبدو من الورقتين، فهل يكون الحلّ بالعدوان المتواصل على الاعتدال السنّي في لبنان؟