ومن يمكنه أساساً أن يسوّق لمثل هذه الأخبار، وأن يتحدث عن “أمن ذاتي مزعوم في الضاحية الجريحة”، كما يقول رعد، غير “تيار المستقبل وقوى 14 آذار الذين يتعمّدون تضليل الرأي العام”! ففي زحمة الأحداث المحلية والإقليمية والدولية، لا هم وطنياً تتبناه قوى 14 آذار ومنها تيار “المستقبل” سوى إفساد صيت الضاحية وتضليل الرأي العام لمنعهم من زيارتها… وكأن اللبنانيين لا يعلمون بأن الداخل الى الضاحية مفقود والخارج مولود، وكأنهم لم يسمعوا بشبّان كانوا يعملون مع شركات خاصة في المنطقة وتمّ اقتيادهم الى غرف القمصان السود للتحقيق معهم، فتفتح ملفاتهم ويجري التحقيق على طريقة سؤال -جواب، لمجرّد أن لدى المسؤول الحزبي في المنطقة شكوكاً بأن الشاب ينتمي الى حزب “القوات اللبنانية” مثلاً، وبأنه مخبر!
في الضاحية، يصعب على اللبناني أن يمارس عمله اليومي لأنه يشكل خطراً على أمن معقل الحزب… وما قصة إحدى الفتيات التي كانت تلتقط صوراً لواجهة محلّ لنقلها الى الشركة في إطار حملة تسويقية، فتمّ توقيفها عن العمل وحجز الكاميرا واقتيادها الى غرفة حيث أمضت ليلتها، ما أثار خوف أهلها ومنذ ذلك الحين لم تطأ قدمها أرض الضاحية… سنوات مرّت على القصة، قبل أن “يكون الكلام عن الأمن الذاتي في الضاحية تحريضي”!
وإذ يرى رعد أن ما يحصل هو “نهج تحريضي متواصل ضد خيار المقاومة وأهلها ومؤيديها، مستخدمين كل الوسائل والأساليب”، بما فيها “رعاية بعض التكفيريين الإرهابيين الذين يهددون أمن المواطنين وحياتهم ويزرعون السيارات المفخخة والتفجيرات في الأحياء السكنية والشوارع المكتظة وأمام المساجد”.
هنا تسقط مقولة “الأمن الذاتي في الضاحية”… نعم تسقط، ليصبح الأمن الذاتي في أي منطقة يضع “حزب الله” يده عليها أو ينتشر فيها ليحمي سفارة تخصّه أو حيّ أو شخصية أزلية أبدية سرمدية، أعلى مرتبة من البشر… هذا ما يحصل في حيّ قريب من حيّ الأميركان في الحدت، ممنوع دخول السيارات اليه، إن كانوا من القاطنين في المباني أو الزائرين، إذا كانت سياراتهم لا تحمل بطاقة رسمية من الحزب تخوّله دخول منزله!
بحسب رعد إن “المواطنين الشرفاء في الضاحية وغيرها ناشدوا مراراً وتكراراً أجهزة الدولة الأمنية كي تتولى القيام بواجبها في حمايتهم وحفظ أمنهم، لكن كل تلك المناشدات لم تلق الاستجابة المطلوبة حتى الآن”. وبالتالي فإن مسألة الأمن الذاتي ملفّقة، والقوى الأمنية لطالما كانت الجهة المطالب بها في الضاحية، لكن هل يتذكر اللبنانيون ولو حادثة واحدة تعقّبت فيها القوى الأمنية سارقاً أو خاطفاً أو مجرماً في الضاحية وأمسكت به؟ كل الأدلّة تختفي بسحر ساحر وبقدرة قادر إلهي! فمن يوقف التحقيقات بـ”اغتيال” هاشم السلمان؟ ومن منع توقيف بعض الشبان من آل المقداد في قضايا الخطف؟ ومن يعتدي على جباة الكهرباء ويرفض الانصياع للقانون ودفع الضرائب؟ وأين اختفى السائق الذي دهس عنصراً في قوى الأمن الداخلي لأنه الأخير أوقفه ليعاقبه على مخالفته؟
صحيح ما يقوله رعد عن أن “الدولة وأجهزتها الأمنية هي المسؤولة أولاً وآخراً عن توفير الحماية للمواطنين”، فهذه الأمنية تكاد تطغى اليوم على كل ما عداها، فلو تحققت عاد الجميع ليعيش تحت جناح الدولة لأن الدولة لا تحيا بثلاثة أجنحة… وأن توفّر الدولة الحماية للمواطن من الضروري أن يكون هذا المواطن راضياً عن هذه الدولة، إذا كان ضعيفاً انصاع وإذا كان قوياً كسر هيبتها… وبحديث رعد عن الدولة، لا يذكرها بدور الدولة القوية بجيشها لأنها رمزها مختلف في حسابات “حزب الله، إنها فقط توفّر “الحماية للمواطنين”، إنه دور الدولة – الشرطي الذي ولّى حين باتت الدولة لاعباً أساسياً تتدخل في كل مجالات الحياة من اقتصادية وأمنية وعسكرية وسياسية ودفاعية وشرعية واجتماعية… الدولة ليست “خادمة” عند المواطنين لتحميهم فقط، ثم يمكن لأي مواطن أن يضربها ويلغي دورها، إنما على الدولة أن تفرض سيطرتها شاء من شاء وأبى من أبى.