بدا للمرة الأولى منذ أكثر من ثلاثة اسابيع ان ملامح عودة للحركة السياسية في لبنان برزت على سطح الجمود القاتل الذي ساد الوضع الداخلي وترك أزماته عرضة لمزيد من التراكم والانسداد ولاسيما في ملف تشكيل الحكومة.
ولاحت طلائع هذا التحريك في بيان مفاجئ صدر عن رئاسة الجمهورية ظهر الخميس وشرح تفصيلياً ظروف وضْع “اعلان بعبدا” استناداً الى محاضر اجتماعات هيئة الحوار الوطني التي عقدت في القصر الجمهوري سابقاً والتي تؤكد ان الاعلان حظي بموافقة جميع المتحاورين بعد ادخال تعديلات طلبها بعضهم عليه.
وكان لافتاً في البيان الرئاسي اشارته الواضحة الى مجموعة امور اكتسبت دلالات سياسية، ومنها ان رئيس مجلس النواب نبيه بري تلا في ختام الجلسة التي اقر فيها اعلان بعبدا في حزيران 2012 المقررات التي تم التوافق عليها وان الاعلان لم يأت على ذكر المقاومة بمعنى ان هذا الموضوع المرتبط بالحوار على الاستراتيجية الدفاعية منفصل عن بنود “اعلان بعبدا” ولم يحل دون موافقة “حزب الله” على الاعلان وان يكون البيان الرئاسي لم يشر الى الحزب صراحة او بالاسم.
الواضح في هذا السياق بحسب اوساط مطلعة ان البيان الرئاسي بدا بمثابة رسائل الى الداخل ولاسيما انه جاء بعد التطورات الآتية:
* مهاجمة رئيس “تيار المردة” النائب سليمان فرنجية في مقابلة تلفزيونية مساء الثلاثاء اعلان بعبدا وتشكيكه بمنطلقاته وأهدافه، معتبراً أن هذا الاعلان لم يصدر بل جرى طرحه ليناقَش لاحقاً.
* اعلان بري احياء مبادرته التي يقترح فيها عقد خمسة ايام متواصلة من الحوار من اجل الاتفاق على تشكيل الحكومة واستئناف البحث في قضية الاستراتيجية الدفاعية، وهو ما أرفقه بتشكيل لجنة نيابية من كتلته للقيام بجولة تبدأ اليوم بزيارة كل من الرؤساء سليمان ونجيب ميقاتي وتمام سلام وتستكملها لاحقاً بلقاءات مع مختلف الكتل النيابية لشرح مبادرة بري والحض على تبنيها.
* اصرار “حزب الله” في اكثر من موقف لنواب فيه على ان “اعلان بعبدا” انتهى وهو ما عبّر عنه رئيس كتلته البرلمانية محمد رعد بوضوح قبل شهر حين قال ان هذ الاعلان وُلد ميتاً ولم يبق منه الا الحبر على الورق.
وتبعاً لذلك تعدّدت القراءات لملابسات البيان التصويبي الذي صدر عن قصر بعبدا امس وابرزها:
* ان الرئيس سليمان قرأ كلام فرنجية معطوفاً على مواقف “حزب الله” قبله على انها توطئة لتهشيم هذا الاعلان وصولاً الى اعتباره كأنه أمر غير موجود.
* ان رئيس الجمهورية وان لم يأتِ على ذكر الملف الحكومي في بيانه امس، الا انه أراد التذكير بان اساس اي مسعى سياسي جديد يجب ان يلحظ تركيز “اعلان بعبدا” كأساس للبيان الوزاري، لا امكان لتجاوزه في أي عملية سياسية جديدة وتحديداً في السعي الى تشكيل الحكومة، وهذا الامر سيعيد الكرة الى مرمى الاطراف لاختبار اذا كانوا سيعيدون الاعتبار الى الاعلان وتالياً القبول بتوافق الحد الادنى الذي يشكله من دون ان يعني ذلك تفكيك “ام العقد” المتمثلة في الخلاف على الثلث المعطّل الذي يتمسّك “حزب الله” بالحصول عليه.
وفي موازاة ذلك، برزت “نقزة” لدى اوساط 14 آذار حيال حرص رئيس الجمهورية على الجزم بان اعلان بعبدا “لم يتضمن أي نص يتعلق بالمقاومة وسلاحها، ولم يتطّرق الى مسألة الاستفادة من قدرات المقاومة ووضعها بتصرف الدولة اللبنانية”، مؤكداً ان هذا الاعلان يَمهّد الطريق لمناقشة الاستراتيجية الدفاعية الوطنية الشاملة ويرسم أيضاً المسار السليم للاستفادة من كافة القدرات الوطنية المتاحة للدفاع عن لبنان في وجه العدو الاسرائيلي وأطماعه”.
فـ 14 آذار التي سارعت امانتها العامة الى اصدار بيان مقتضب اكدت فيه التمسك بـ”اعلان بعبدا” بنداً بنداً “ولاسيما بالبنود 11، 12، 13 و14، المتعلّقة بالطائف والدستور، بالحياد وضبط الحدود وتنفيذ كل قرارات الشرعية الدولية وبالتحديد القرار 1701″، بدت حذرة حيال توضيحات الرئيس سليمان التي رأت فيها رسالة تطمينية لـ”حزب الله” في شأن سلاحه ربطاً بالعمل على “طبخة حكومية” توافقية يشكّل بيانها الوزاري اختباراً جوهرياً بعدما جرى وضع نصين متقابلين هما: اعلان بعبدا ومعادلة “الجيش والشعب والمقاومة”.
وبحسب قريبين من 14 آذار فان تفسيرات سليمان بفصلها بين اعلان بعبدا وسلاح “حزب الله” وكأنها سلّفت الحزب ورقة رابحة قاعدتها ان اعلان بعبدا اذا اعتُمد اساساً للبيان الوزاري فهذا لا يعني سحب الشرعية من سلاحه التي تؤمنها معادلة الجيش والشعب والمقاومة.
ووفق اوساط مطلعة في بيروت فان بيان سليمان حمل ايضاً رسالة على الصعيد الخارجي وشكل اطلالة على المناخ الاقليمي والدولي الناشئ عن التطورات المتصلة بسوريا وما يمكن ان تفضي اليه، اذ يمثل اشارة واضحة الى ان تحييد لبنان من خلال اعلان بعبدا هو المرتكز الذي سيعتمد في التعامل مع اي تطور في شأن سوريا، وتقول الاوساط ان “هذا البيان يمكن ادراجه ايضاً في اطار التحضيرات الجارية لعقد مؤتمر لاصدقاء لبنان في نيويورك في 25 من الشهر الجاري على هامش افتتاح الدورة العامة للامم المتحدة، وهو مؤتمر ينعقد تحت شعار دعم استقرار لبنان ومساعدته على تحمل اعباء انعكاسات الازمة السورية عليه من مختلف الجوانب ولاسيما قضية النازحين والاعباء الاقتصادية والاجتماعية التي يواجهها فضلا عن مظلة دعم دولي سياسي لاستقرار لبنان”.