رُبّ سائلٍ: لماذا أخفق المسيحيون في لبنان، سياسياً وديمغرافياً وحتى عسكرياً، في جني ثمرة وجود رئيسٍ ينتمي الى طائفةٍ أقلّية “ِمثلهم” على رأس الحكم في سوريا، فتعرضّوا للقتل، والإضطهاد، والقمع، والإقصاء السياسي، والسجن، والتهجير، والنفي، على يد هذا الحُكم تحديداً، عوض تمتّعهم بـ “جنّة التحالف” مع رئيسٍ أقلوي قوي في سوريا، و”نعيم” إحتلاله للبنان؟!
والحقيقة تُقال، بعيداً عن اي شعاراتٍ غوغائية دعائية فارغة، بأن الأمر لو كان بالبساطة التي يتصّورها البعض، لما كان المسيحيون في لبنان ترددّوا لحظةً واحدة، في نسج تحالفٍ مع “الأقلّية الطائفية” الحاكمة في سوريا لمحاولة إنقاذ لبنان. ولكانوا على الأقّل، تجنّبوا كأس المقاومة المُرّة التي تجرّعوها، ولكانوا وفّروا عليهم ايضاً، المآسي والشهداء والضحايا، التي تكبّدوها في معرض مقاومتهم لسياسة هذه “الأقليّة” الحاكمة بالذات. هذا طبعاً، إذا سلمّنا جدلاً، بأن النظام الحاكم في سوريا يمثّل فعلاً الأقليّة العلوية الكريمة، ويُعبر عن تطلّعاتها الحقيقية، وهو ما ليس دقيقاً بالإجمال.
وإذا سلمّنا جدلاً ايضاً، بأن النظام في سوريا يمثّل الأقلية العلوية الكريمة، فإن ذلك يُشكّل بحدّ ذاته، نقطةً سلبية إضافية تُسجّل في مرمى بعض “المسيحيين” “المبشرّين” بـ “تحالف الأقلّيات”، ذلك ان نقاط الإختلاف التاريخية، والأنتروبولوجية، والثقافية، والسياسية، بين تجربة الحضور المسيحي في لبنان من جهة، وتجربة الأخوة العلويين في سوريا، من جهة اُخرى، أكثر من أن تُحصى في حدود هذه المقالة المتواضعة.
إذ يكفينا في هذا الإطار، وبموضوعيةٍ عالية، إجراء مقارنةٍ تاريخية، انتروبولوجية، ثقافية، سياسية، موجزة بين المجموعتين، ليتبيّن عمق الهوّة الفاصلة بينهما، واستطراداً، زيف شعار “تحالف الإقليات” الذي يُروّج له هذا البعض بالذات، خدمةً لمكتسباته الضيّقة، حتى ولو تسبب ذلك بتشويه تاريخ المسيحيين وصورتهم.
فتاريخياً، وبخلاف العلاقة المسيحية الدرزية في جبل لبنان، التي، وإن شهدت محطاتٍ دموية مؤسفة، إلاّ أنها تميّزت طوال قرونٍ عدة بالتفاهم والتحالف ضد الغرباء، وبحقباتٍ مُشرقة، سهلّت للمسيحيين التمدّد في المتن والجبل والجنوب، مما ساعدهم على نشر قيمهم الإنسانية إينما حلّوا، والتمهيد لولادة الكيان اللبناني، الذي شكّل علامةً ديمقراطية مُشرقة في ليل الشرق المظلم حينها.
فتاريخياً، إذاً، لا أثر لأي علاقةٍ تفاعلية، ولا حتى طبيعية، بين المسيحيين في لبنان، والطائفة العلوية في سوريا، لا بل ان بعض الدراسات التاريخية المُعمّقة تزعم، بأن علاقةً تصادمية كانت قائمة بين الطرفين، وذلك عندما كان جزءٌ كبير من الموارنة يستوطن شمال سوريا، ضمن منطقةٍ متداخلةٍ جغرافياً مع العلويين، بحيث ادّى الصراع الى تهجير قسمٍ من موارنة شمال سوريا الى جبل لبنان، إعتباراً من اواخر القرن التاسع، اي في الفترة التاريخية إيّاها التي شهدت نشوء الدين العلوي.
هذا تاريخياً، امّا ثقافياً، وإنطلاقاً من كون الدين المسيحي هو دين إنفتاح ووضوحٍ وشفافية، وإنطلاقاً من جملة عوامل داخلية وخارجية مُساعدة، تمكّن المسيحييون في لبنان بالتخلّص من عقدة الأقلّوية قبل قرونٍ عدة، فتمددّوا، وتثاقفوا مع المحيط، وأنشؤوا المعاهد، أعادوا إحياء الحضارة العربية، ونشروا القيم الإنسانية والحضارية، فكانوا بذلك روّاد النهضة في الشرق.
امّا بالنسبة للعلويين، وإنصافاً للحقيقة التاريخية التي لا يمكن إنكارها، فإن هذا الشعب الكريم كان لا يزال حتى القرن العشرين، يعاني أنواعاً شتّى من القهر والإضطهاد والتمييز، وهي عواملٌ دفعته الى التقوقع على ذاته، متوسلاً الباطنية والغموض والتقيّة سبيلاً لدرء الأخطار المُحدقة به، ومُشكلاً بذلك بيئةً إجتماعية طائفية مُعدمةً مادياً وثقافياً، تتربّص باللحظة المؤاتية، للإنقضاض على ظلم التاريخ، والتحكّم بالجغرافيا…
انتروبولوجياً، يتجلّى الإختلاف بين المسيحيين والعلويين، في اوجهٍ كثيرة، فالتفاعل المسيحي مع الحضارة الغربية، ترك أثره العميق على نمط عيش المجتمع المسيحي، إن لجهة تركيبة المجتمع المتحرّرة من الإقطاع والقبلية، او لجهة تبلور مفهوم الحرية الفردية، وتبنّي الديمقراطية، التي تجلّت من خلال إحترام التعددية السياسية والحزبية، وفي إحتلال المرأة مكانةً مُتقدّمة في المجتمع المسيحي، وغيرها من الجوانب، كانتشار العلم، وطبيعة المأكل، والملبس، والإختلاط في الحياة الإجتماعية والعامة…
امّا بالنسبة للعلويين، فإن الأمر مغاير تماماً، فالمجتمع العلوي لا يزال يحترم الطبقية ويعمل في إطار الجماعة، هذا بالإضافة الى قيام الأسرة الصُغرى على اُسس البطريركية الأبوية الصارمة، بحيث ينتفي تلقائياً أي دورٍ للمرأة في الحياة العامة. ويقتضي التوضيح هنا، أن مبادىء الإشتراكية التي اعتنقها معظم العلويين من خلال إنتسابهم الى حزب البعث، لم تكن تهدف الى التخلص من الفروقات الطبقية داخل المجتمع العلوي نفسه، وإنما كانت تسعى الى ردم هوّة التفاوت الطبقي بين المجتمع العلوي الزراعي من جهة، وبين الطبقة السنيّة البورجوازية الحاكمة من جهةٍ اُخرى…
من هنا، فإن تبنّي الديمقراطية والليبرالية، والفردية، والحرية، والمساواة الإنسانية، لم تكن في حقيقتها، سوى الترجمة العملية، للخلفية التاريخية، والثقافية، التي طبعت التطوّر الطبيعي للمجتمع المسيحي في لبنان، عبر العصور. بينما جاءت الآحادية، والشمولية، وذوبان الفرد في إطار المجتمع والجماعة، لتعكس التراكمات التاريخية المأساوية التي تفاعلت في متن الجماعة العلوية في سوريا، بفعل القهر، والتقوقع، وانعدام الموارد الثقافية والمعيشية…
وفي حين، انتج تاريخ المسيحيين في لبنان تجربةً ديمقراطية رائدة في الشرق، تشهد موجات مدٍّ وجزر سياسية طبيعية، وتعتمد نظام حكمٍ قائمٍ على الحرية، والتعددية، والتوافقية، والمشاركة الطوائفية، وتداول السلطة، جاءت التجربة العلوية التاريخية، بنمط حكمٍ جامدٍ، لا يعترف بأي شراكةٍ نديّة، سواء كانت شراكةً أقليّة او اكثرية، فالأقليّة الكردية في سوريا مُهمشّة، والأقليّة الدرزية لا صوت لها، والأقليّة المسيحية تعيش في “ذمّة” النظام وخارج الدستور، والأكثرية السنّية مُنتفضة…
ولعلّ أكثر ما أججّ الصراع السياسي بين المسيحيين في لبنان، وبين النظام “العلوي” في سوريا، لم تكن مسألة الإحتلال بحدّ ذاتها، بقدر ما كانت محاولة النظام فرض تجربته الذاتية على لبنان، ورغبته في التخلص من الحرّيات العامة والديمقراطية، إنسجاماً مع تركيبته السياسية الآحادية…
من هنا، أمكننا الجزم، بأن الخلاف لم يكن قائماً على مسألة الإحتلال فحسب، ولم يكن بالتالي خلافاً سياسياً مُحدداً في الزمان والمكان ينتهي بمجرّد زوال الإحتلال، وإنما هو إختلافٌ تاريخي، ثقافي، سياسي، ومنهجي، يتعلّق بنهجين متناقضين تماماً. وعليه، فإن خروج الإحتلال من لبنان، لا يعني إنتفاءً للصراع القائم بين النهج الذي يمثّله المسيحيون في لبنان، وبين نهج النظام “العلوي” في سوريا…
ولو سلمّنا جدلاً، بأن هاجس الخوف من الأكثرية، مُبررٌ ومشروعٌ لدى الأقليات بالمُطلق، فإن “التقاء” المسيحيين والعلويين على هذه النقطة الوحيدة بالذات، لا يلغي واقع وجود إختلافاتٍ أكثر جوهريةً، وبنيوية، و”إنسانوية”ً بين الطرفين، بما يجعل من أي حديثٍ عن “تحالف أقليّات” حديثاً بهلوانياً سطحياً، يفتقر الى أي قواعد او اُسس علمية، يمكن البناء عليها حتى الآن.
إن ما يؤمّن الحماية الفعلية للأقليات بمن فيهم العلويين، ليس تكتّل الأضداد مع بعضها البعض بطريقة شاذّة لمواجهة الأكثرية ايّاً كانت، وليس إفتعال هواجس خوفٍ تدفع بأقليّةٍ مُعينّة لطلب “الذميّة” من أقليّةٍ ثانية، وليس تنازل أقليّة مُعينّة عن تاريخها الحضاري المُشرق وتشويه حاضرها ومستقبلها، لتلميع جرائم يرتكبها البعض بإسم أقليّةٍ ثانية، وليس التستر بالأقلية لممارسة القمع والوحشية… لأن في ذلك كلّه، تأجيجٌ لمشاعر الكراهية والتطرّف لدى الأكثرية… وبالتالي فإن الحماية الحقيقية للأقليات لا تتأمّن، إلاّ من خلال قيام أنظمةٍ ديمقراطية، تحترم حقوق الإنسان، وتعترف بالمساواة بين جميع المواطنين.
وفي الختام، كلمة حقّ تُقال، ليس المطلوب من المسيحيين الذهاب الى حيث يضع الأخوة “العلويين” انفسهم على حافة الهاوية اليوم، وإنما المطلوب من “العلويين” انفسهم الإتيان الى حيث يقف المسيحيون في الفضاء الإنساني الرحب، والى حيث وقفوا في السابق، العام 1943، يوم اتخذ المسيحيون موقفاً تاريخياً شجاعاً تنازلوا بموجبه عن جزءٍ من صلاحياتهم الدستورية، خدمةً للشراكة الحقيقية، وتمكيناً للدولة اللبنانية من التحليق بجناحيها المسيحي والإسلامي…
