Site icon Lebanese Forces Official Website

ما المهمّة الجديدة التي تفرض نفسها على الموارنة؟

كتب فارس سعيد في “الجمهورية”:

إجتمع معظم الموارنة في لبنان بين القرنين السادس والسابع بعد الحروب التي اندلعت بين الفرس وبيزنطية وبين بيزنطية والعرب.

لم يرحل الموارنة شرقاً بسبب وجود مملكة “بني أميّة” و”بني عبّاس”، ولم يرحلوا شمالاً لوجود امبراطورية بيزنطية، لذلك لم يبقَ أمامهم إلّا الجبل اللبناني الذي كان امتداداً لمسقط رأسهم. دخلوا لبنان تابعين ضفاف “العاصي” حتى الهرمل، ومن هناك تسلّقوا الجبل وسكنوا جروده العالية المهملة، وامتدّوا فيما بعد جنوباً فسكنوا جبل الشيخ.

الحرّية

والمواقع التي سكنوها في الجرود كانت أوكاراً للصقور ومغاور للوحوش. ولم يقرأ أحد في كتب التاريخ أنّهم جاؤوا فاتحين أو غاصبين، بل جاؤوا مشرّدين، ولأنّهم أحبّوا الحرّية اعتصموا في معاقل صعبة المنال.

استمرّوا جماعة فقيرة طوال عصورهم، لا سند لهم ولا معين. وسكت التاريخ عن الموارنة خمسة قرون كاملة، هي القرون الأولى في لبنان، ولم يُذكر سطر واحد خطّ بيدهم قبل القرن الحادي عشر.

الأرض

إنّ أعظم سيرة صمود لهم كانت سيرة الصمود في وجه الطبيعة. كانت في البدء عداوة مع الطبيعة ثمّ تحوّلت الى علاقة وسيرة حب عظيم، وأصبحت الارض للماروني هي المرأة والأم والزوجة والابنة الحبيبة، هو الذي جاء يتيماً. فكان هناك زواج بين الماروني والأرض وهو زواج مارونيّ أي لا طلاق فيه.

هذه النظرة إلى الأرض كانت شيئاً جديداً جاء بها الماروني إلى الشرق. فالشرق حينذاك كان لا يعرف في نظرته إلى الأرض إلّا النظرة البدوية أو النظرة الأمبراطورية.

فالأرض هي شجرة العائلة المارونية، وكما افتخر شعراء الجاهلية بأنسبائهم، أدخلَ الموارنة الى الأدب تراثاً جديداً وهو التغنّي بالأرض، بهوائها وترابها.

هذه النكهة الفريدة رُسمت في عمق شعورهم وفي صلواتهم. وحين يكتب “جبران” “أيتها الأرض” أو أمين نخلة “المفكرة الريفية” أو أبو شبكة “الأماكن” أو صلاح لبكي “من أعماق الجبل”، فهؤلاء لا يقفون على أطلال، بل يطلّون من هناك إلى عمق الحياة وأبعادها.

والأرض هي شريكة الفرح والأسى، تعرف الحياة والموت. وكانوا يسمّونها “الرزق”، وكأنّما ترابها هو القوت. ويسمّونها “ملكا”، تخوّل صاحبها وهو فلّاح من الجبل أن يقابل ويعادل نفسه بالسلطان في اسطنبول، لأنّه هو أيضاً سلطان ولو مَخفي.

ومع هذه النظرة الجديدة إلى الأرض استقدم الموارنة نظرة أخرى جديدة، هي الوطن. لقد مهّدوا الأرض لتصبح وطناً.

الوطن

كان الموارنة أوّل من أراد وطناً قوامه الأرض واللغة والتاريخ. أمّا الارض فقد جهّزوها، واللغة أقدموا على اقتباسها وأسهموا في تجديدها حتى أصبحت لهم ومنهم وصاروا لها ومنها. أمّا التاريخ، فإذا لم يكن تاريخ العرب تاريخهم فقد ربطوا أنفسهم منتسبين بواسطة الأساطير الى الحيرة وغسّان ونجران وقبائل الجزيرة.

وُفّقوا في إقامة وطن هو لبنان، أرادوه نموذجاً للشرق تتعايش فيه المكوّنات بمساواة الولاء له. ويكون هذا الـ”لبنان” مختبراً لشعوب المنطقة.

وفي سبيل هذا الوطن تنازلوا عن اسمهم، فتركوا الاسم المعروف الذي اشتهروا به منذ ألف عام: اسم “موارنة جبل لبنان”. ليتّخذوا اسم “لبنان” – زمن الانتداب، ثمّ اسم “لبنان ذو الوجه العربي” – زمن الاستقلال، ومن ثم “لبنان العربي” – منذ اتفاق الطائف.

كتب الأب ميشال الحايك في 22 آذار 1979:

“وليس لهم، كما حين جاؤوا، من سكن، بعد أن تناثرت أحلامهم الكبرى وتفكّك هذا الوطن الحبيب الصغير، ليس بعد ذلك اليوم، من مقام يسكنون فيه، إلّا المارونية، من حيث هي مساحة روح وإرادة حرّية.

ولقد فهموا الآن، أو أظنّهم فهموا ما معنى تلك الصلاة التي أورثهم إياها الأجداد، وكانوا يتلونها مساء كلّ جمعة، من دون أن يفقهوا أيام الترف أعماقها الوجودية: فإذا هي اليوم تبدو لهم بواقعيتها المرّة:

يا شعبي وصحبي أين عهد الإيمان؟ أين الوفا بالحب والوداد؟ ترى ماذا عملي؟ فصار هذا جزائي، ترى من هو المدّعي عليّ؟ وما هو سبب القضاء عليّ؟ أما تذكرون الجميل؟ أما تذكرون سخائي؟

مجال للفكر ومساحة للروح

ولكن علام تساؤلهم؟ فالصلاة نفسها هي الجواب عن السؤال. إذ انّ في المحنة التي حلّت بهم علامة تدعوهم الى العودة الى الأصول الروحية والفكرية، التي انقطعوا عنها منذ ربع قرن. فاستسلموا للترف واسترسلوا في الأباطيل، فأصبحت الأرض موسم تجارة والوطن بؤرة دعارة. ودخلت المارونية الأصيلة حالة السرّية، فلم يعرف عنها إلّا ما عبّرت عنه بعض مظاهرها القبيحة في صورة التاجر أو الفاجر، وهذه الصورة منحولة مزيّفة.

أترى المحنة أسقطت كل هذه الأقنعة لتظهر الأصالة؟

من موقف مسيحي، أيها الأخوة علينا أن نبدأ بمحاسبة الذات قبل أن ندين الآخرين. فنحن أول المسؤولين وأول المطالبين بالجواب. فلو كنا نحن على غير ما كنّا لما صرنا الى ما صرنا. ثم من موقف مسيحي أيضاً، نؤمن انّ كل محنة لها معانيها الروحية أولاً، قبل أي معنى، من حيث انّ المحنة هي دوماً في النظرة المسيحية، إحراج للذات، إحراج لنا، للعودة الى الجذور والى مراجع الهوية الصحيحة.

فعلى الموارنة أن يتخلوا عن أشياء كثيرة، أن يتجنّسوا روحياً في لبنان ليستحقوا استيطانه من جديد، أي أن يدخلوه، كما دخلوا أول مرة، من حيث هو مجال للفكر ومساحة للروح. على مستوى الفكر والروح يكون الانتصار وإلّا فكلّها هزائم. فالمارونية الحقيقة وقد هدّت اليوم بعودٍ الى بدء، هي وقفة روحية أو هي ركوع، فالروح هي المبتدأ، وإلّا فالموارنة خبر، آمين”.

لقد ظهرت المارونية في الأصل كحركة وأصبحت مدرسة لاهوتية ثم مؤسسة كنسية. ومنذ انتقالها الى لبنان صارت قمة دينية ودنيوية، وفي أواخر القرن التاسع عشر تحوّلت الى دعوة سياسية بالتزامها الواقع المشرقي. وفي النهاية، في زمن الانتداب والاستقلال مثّلت بجدارة فكرة القومية اللبنانية.

السؤال المطروح اليوم بعد أن أصبحت الهوية مشتركة مع الآخرين، وبعد أن حلّت العولمة مكان القوميات المنغلقة على بعضها، ما هي المهمة الجديدة التي تفرض نفسها على الموارنة في ظلّ المتغيّرات الإقليمية الحتمية؟

مجد لبنان

هل بالعودة الى الوراء نجدّد الذات؟ وهل بالتمسّك بأحلام الماضي نحافظ على الحاضر ونرسم مستقبل أولادنا؟

بعد أن استحقوا عن جدارة “مجد لبنان”، ندعوهم اليوم مجدداً الى إعادة حمل الأمانة المرتكزة على “العيش المشترك” الإسلامي – المسيحي، والدفاع عن قيمهم التي اصبحت مفاهيم مشتركة مع كلّ الآخرين، ليس فقط في لبنان إنما على مساحة العالم العربي.

إنهم مدعوّون الى تجديد معنى لبنان من خلال جعله نموذجاً لشعوب المنطقة.

مدعوّون للشهادة

إنهم مدعوّون للشهادة دائماً باسم الحقّ مهما كانت المهمة صعبة.

فلا يمكن للموارنة وللمسيحيين عامة أن يدافعوا عن أنظمة قاتلة ومتوحشة، ولا يمكن للموارنة وللمسيحيين عامة إلّا أن يكونوا في طليعة التغيير الحاصل في المنطقة العربية، ولا يمكن للموارنة وللمسيحيين عامة ان ينكفئوا عن العمل السياسي ويستقيلوا من أمانتهم المتمثلة بالحفاظ على لبنان نموذجاً موصوفاً للعيش المشترك الإسلامي – المسيحي والإسلامي- الإسلامي،

ولا يمكن للموارنة وللمسيحيين عامة إلّا أن يكونوا رواد مشروع السلام في المنطقة المرتكز على المصالحة:

– مصالحة الفرد العربي مع ذاته ومصالحة المجتمعات العربية مع دولها ومصالحة العالم العربي مع الخارج ومصالحة الفلسطينيين والعرب مع إسرائيل على قاعدة الأرض مقابل السلام وفقاً لمبادرة السلام العربية.

فقط إذا قمنا بكلّ ما تقدم نستحق أن يكون “مجد لبنان أعطي لنا”.

تاريخنا مكلّل بالمجد والتضحيات والإنجازات، ولكن التعويل عليه وحده ليس كافياً لتأمين مستقبل أفضل لنا، هذا المستقبل الذي لا يمكن تأمينه إلّا عبر العودة إلى الأصول الروحية والفكرية التي تجعل الموارنة طليعيين في تبنّي في كل حقبة تاريخية قضية الانسان التي تتجسّد اليوم في عنوان السلام.

Exit mobile version