يجب ألاّ نسأل كيف تتحوّل الهزيمة إلى انتصار ، والتنازل إلى تصاعد ، والتراجع إلى تقدّم ، في موقف رئيس النظام السوري بشّار الأسد .
لا عجب ، فهو وريث تراث سياسي يناهز نصف قرن ، من البطولات الورقيّة الجولانيّة ، وسليل الشعارَيْن الذهبيّين : ” سنردّ في الزمان والمكان المناسبَيْن ” ، و ” سنزلزل الأرض ونغّير وجه الشرق الأوسط ” !
مَنْ استمع إلى بشّار الأسد يهدّد ، ويتوعّد ، ويضع الشروط لتسليم سلاحه الكيميائي ، يخال أنّه خارج لتوّه منتصراً من ” أوشفيتز ” الغوطه و” أوسترلتز ” معلولا .
قد لا يكون السبب إصابته بلوثة الإنتصار الوهمي ، وعشرته الطويلة ل” الإنتصار الإلهي ” ، بل حَيْرة وارتباك القرار بضرب يده التي استخدمت السموم لقتل الأطفال والأبرياء ، فخرج شاهراً سيفه الخشب في وجه أوباما ، مستقوياً بالعضل الدبلوماسي الروسي ، وقسوة الجليد السيبيري ورقص الدببة .
ولكنّ نبرته العالية في وجه العالم ، وتحديداً في وجه الولايات المتّحدة ، ليست سوى تعبير عن إحساسه العميق بمصيره المحتوم ، سواء في ضربة تأديبيّة قاسية ، أو في صفقة سياسيّة تختم مسيرته الدمويّة .
لا شكّ أنّ موسكو نجحت في تأجيل سقوطه بعض الوقت ، لكنّها أدركت أنّها غير قادرة على تثبيت ركبتَيْه في بُرَك الدمّ ، إلى ما لا نهاية . لم تكن تريد بيع جلد الدبّ قبل اصطياده ، لكنّها الآن تراه عالقاً في شبكته ” الكيميائيّة ” ، مهما حاولت تبرئته من الجرائم الموصوفة .
ولذلك ، هي باتت جاهزة للمساومة على جلد الدبّ العالق . وليست الإجتماعات المفتوحة بين لافروف وكيري ، بعد العشاء السرّي في بطرسبورغ ، سوى ” يالطا ” ثنائيّة لحصر الإرث وتوزيع التركة وخرائط النفوذ . وقد يذكر التاريخ بطرسبورغ الروسيّة ( لينينغراد سابقاُ ) ، كما ذكر يالطا الأوكرانيّة ( الروسيّة سابقاً ) ، مع فارق الأحجام والظروف .
ليس أفضل من تحقيق نتائج الحرب وأهدافها بدون حرب : هذا ما يحدث الآن تماماً .
” وَقَعَت قبل أن تقع ” ( عنوان مقالي هنا قبل أسبوعَيْن 31 – 8 – 2013 ) ، قراءة لما حقّقته الضربة قبل حصولها . بدأت تحقّق أهدافها بوهجها فقط ، ولكنّها ما زالت واردة وماثلة بنارها في حال الإخلال بنتائجها، وأبرزنتيجة هي ضبط ، ثمّ تدمير أسلحة النظام السوري الكيميائيّة .
وعين العالم مفتوحة على محاولات النظام إخفاء قسم من هذه الأسلحة وتسريب أو تهريب قسم آخر إلى المالكي في العراق ، وإلى ” حزب الله ” في لبنان . فإذا صحّت المعلومات حول هذا التسريب ، سيكون العالم ، بما فيه واشنطن وموسكو معاً ، في حِلّ من المسعى السياسي الدبلوماسي الأخير .
وإذّذاك ، تتّسع جغرافيّة الضربة ، وتتحوّل إلى حرب لا ينجو منها لبنان ، ولا العراق .
إنّ أسوأ ما يرتكبه نظام الأسد قبل رحيله ، هو تلويث لبنان بآخر قذاراته ، الغازات السامّة .
ولا يتصوّر عاقل أن يرتكب ” حزب الله ” هذه الحماقة القاتلة ، ولو تنفيذاً ل” تكليف شرعي ” من الوليّ الفقيه !
قد يكون أطراف ” الممانعة ” الثلاثة في حالة نشوة ، أو إحساس بتسجيل ” انتصار ” لمجرّد بلبلة الضربة الأميركيّة ، أو على الأقلّ تأجيلها . وغالباً ما تُصيب النشوة صاحبها بغشاوة الرؤية ونقص التركيز ، فيفعل ما لا يفعله في حال الصحوة .
قد يتوهّم أحدهم أنّه مارد ، فيتقزّم ويسقط ضحيّة وهمه .
وفي قصص الحيوانات والطيور ، من إبن المقفّع إلى لافونتين ، وحِكَم الهند والصين ، عِبَر كثيرة للإنسان ، ليس أقلّها الذبابة والقافلة ، والضفدع الحالم بحجم ثور ، حتّى الإنتفاخ فالإنفجار .. وقول الشاعر العراقي صفيّ الدين الحلّي (القرن الـ 14):
” إنّ الزرازير لمّا قام قائمها توهّمت أنّها صارت شواهينا
ظنّت تأنّي البُزاةِ الشهبِ عن جَزَعٍ وما دَرَتْ أنّه قد كان تهوينا ” !
