#adsense

جنيف الكيمياوي

حجم الخط

 

ينبغي أن نصدق أن الصواريخ الكيماوية هي التي اطلقت نفسها على السكان السوريين وقتلت نحو 1450 شخصاً بينهم 400 طفل. لم يُطلقها أحدُ. بل انطلقت من تحرك ذاتي خارج أي إرادة خارجية. تماماً كروبوت يتحرك وحده. ويمكن أن نتصور ان هذه المواد الكيموية صَنَعت من نفسها كائناً آلياً، يتمتع بكل مواصفات الكائن الإنساني: كائن آلي بأصابع آلية. وبعقل آلي. وبدقة آلية. وبقرار آلي. يُوجّه نفسه بخطة عبقرية مستنبطة من تركيبتها العجائبية على الأهالي، ليكون هو المسؤول الأول والأخير عن ارتكاب المجزرة الفظيعة. إذاً مجزرة من صنع “التكنولوجيا” المستقلة التي تحل محل الانسان وأكثر. وانطلاقاً من هذا الواقع الخيالي، اقترحت روسيا ووافق (على تردد) أوباما، بأن يحال هذا الكائن الآلي السّفاح على مجلس الأمن، أو يوضع تحت الرقابة الدولية، ومن ثم وربما بعد سنوات يُدمر. وتنتهي المسؤولية. ويُبرأ النظام السوري من هذه التهمة “الباطلة” ويعاقَب الصاروخ. فالصاروخ هو الذي سيتلقى العقاب، ويُحال على المحكمة الدولية، اما النظام. فتبرأ ساحته، باعتبار انه من المستحيل ان يقوم “بشري” أو آدمي او كائن طبيعي أو انساني بضرب شعبه بمثل هذا السلاح المحظور. وهكذا يستريح النظام، ويضاعف جرائمه اليومية بأسلحة يوجهها، و”قانونية” ومعترف بها، كالسكود، والقنابل العنقودية والقصف الجوي. والبراميل المتفجرة وارتكاب المذابح وتدمير المدن (مليون منزل مدمر في سوريا)؛ هذا لا ينكره النظام لأنه من الممارسات الطبيعية بين “أعداء”،: فلأنه عدو شعبه، فيمكن تقبل مقتل اكثر من 100 ألف سوري، وتشريد عدة ملايين، واعتقال مئات الألوف، والقيام بتطهير عرقي في بعض المناطق.

ونظن أن تعامل الغرب والشرق مع المسألة السورية يتم على أساس ان النظام يخوض حرباً مشروعة، أياً تكن الاثمان. فلا عقاب، بل تواطؤ، ولا مساعدة الثوار بل محاصرتهم وأن كانوا يمثلون سبعين بالمئة من الشعب السوري. ولأن النظام “علماني” فعلى العالم إذاً ان يعاقب “المادة” المصنوعة “كبطل” ويُخلي سبيل “الفاعل”. أي ان الخط الأحمر الذي وضعه أوباما سابقاً لاستخدام الكيماوي ينحصر في الكيماوي. اما قتل 1450 شخصاً به فهو إشارة خضراء، “سيري فعين الله ترعاك”. والغريب أن أوباما قلما اشار إلى الشعب السوري كضحية، أو كفاعل على الأرض أو محارب، وكأنما اختزل هذا الشعب إما بالمادة الكيماوية، أو “بأسلحة الدمار الشامل” او “بالتكفيريين أو بالقاعدة” انه يحدد الأصل بالفروع والأسباب بالنتائج، والنتائج بالتجريد والأغرب ان “لوردات” الروس انكروا ان يكون النظام استخدم الكيماوي واتهموا المعارضة به.. وفجأة اقترحوا ان ينزع سلاح النظام…. وبوضع تحت الرقابة الدولية… ليدمر بعدها. والغرابة ان لا النظام ولا الروس ولا بتوع “الممانعة” (لا أراك الله مكروهاً) طالبوا مثلاً بأن ينزع السلاح الكيماوي من أيدي “المعارضة”! ذلك لأنهم يعرفون انها لا تمتلكه. وفي هذا اعتراف معلن بمسؤولية النظام وحده عن المجزرة. اعتراف؟ نعم! ولكن يجب الفصل بين الجريمة والعقاب. عاقبوا السلاح إذاً، لكي تعاقبوا الضحايا. وفي كل هذه الهمروجة “الأوبامية” غاب الضحايا. غاب 500 شهيد من الأطفال. وغاب كل شيء. فالضربة اذاً نمت ومحدودة بهذه النقطة. لا بسواها. وبعدها تعود مياه النظام إلى مجاريها. فيعلن انتصاره. وكذلك ايران. وكذلك أوباما… وخصوصاً الروس الكل يخرج “منتصراً” بحرب لم تقع وان وقعت، فكأنها لم تقع ووقعت. ما يشبه الواقع الافتراضي، فروسيا تريد انقاذ النظام. وأميركا لا تريد اسقاطه. الشعب السوري يقتل بالأسلحة الروسية (ومنها الكيماوي) والأميركان والأوروبيون يدفنون رؤوسهم في رمال العجز. وبدا ان ترحيب أوباما بالاقتراح الروسي وكأنه اتفاق على حماية “اسرائيل” مثلاً بحماية النظام. وصرح الاسرائيليون مرات بأن أمن “اسرائيل من أمن سوريا”! اذاً هي اسرائيل التي انزعجت من الكيماوي. إذاً، فلتُعاقب هذه المادة الملعونة اذاً فليسجن وراء قضبان الشرطة الدولية. إذاً فليدمر. وهكذا “نرتاح” ولو إلى حين. فأوباما حريص على أمن “حلفائه” أكثر مما هو حريص على مصير الشعب السوري. وروسيا ايضاَ ترفع استراتيجية “أمن اسرائيل” وربما أكثر من الأميركيين. إذاً المسألة تنحصر في امن العالم كله حتى أمن الولايات المتحدة ومصالحها، لكن ما يجري في سوريا ففي الحلقيات الأخرى. نقصد استباحة الشعب السوري واستفراسه وتدمير كل شيء قضية ثانوية تحصل في كل الحروب. ويعني ذلك أيضاً ان المسألة الاساسية لم تعد داخل سوريا… بل خارجها. فالشعب الأميركي مثلاً ما زال يعيش مأسي جيشه في العراق، وفي افغانستان، وصولاً إلى يتنام وربما إلى كوريا الخمسينات، من يدري، فتقوقع آثر “سلامته” وانعزل في قلقه. وكذلك أوروبا، لكن نرى السبب الرئيسي “العاطفي” أو “السياسي” في هذا الفيض من التخوف، والتزام “الحياد” كون الشعب العربي السوري هو الذي يذبح وليس اسرائيل. فتأملوا لو ان تل ابيب ضُربت بالكيماوي… أكانت ردود فعل هذه الشعوب ذات “القيم الحضارية” (الباهظة الأسعار) هي ذاتها. لا! لاستفاقت “ضمائرها” الانسانية والدينية، والوطنية ولكانت أجبرت اوباما نفسه على التدخل العسكري. ولو متردداً. والاعلام الأميركي اكان تعامل مع المسألةى كما يتعامل مع المسألة السورية! كان استنفر عباقرته وأُجَرَاءَه وتحاليله ووثائقه… للانتقام من “أعداء السامية” أوليس هذا ما حصل حتى في حرب تموز، حين صار لبنان الضحية هو الجاني. وفي حرب 1977 وكذلك في 1967! فهناك شعوب الله المختارة، وهنا الشعوب الملعونة! ومن يقرأ الجرائد والمجلات الفرنسية (وارثة الثورة!) تحس، وكأن هناك “كلمة سرية” ما تحرّض الكتاب “والفلاسفة” والصحافيين على “رفض الضربة الأميركية” وعلى محاولة تسخيف اعلان الرئيس هولاند استعداد بلده للاشتراك العسكري وتعتبر ان كل ذلك ليس سوى “فخ” أو “فخ تراجيدي” وان التورط في “معاقبة” النظام السوري، لن يجدي، وغير ضروري، بل وغير قانوني لأنه لا يستند إلى قرارات مجلس الامن. كأنما هناك شبه اجماع اعلامي (بعض الاستثناءات كما قرأنا في مقالة برنار هنري ليفي في مجلة “لو بوان” يدعو فيها إلى انخراط بلده في معاقبة مجرمي الكيماوي. بمعنى آخر غابت مسائل “الحرية” و”الأخوة” و”المساواة” بشعارات ثورة 1797 . وكأن هؤلاء لم يعودوا سوى كتاب صالونات، أو أجهزة أو سجالات مترفة معظمها يذكر “بالجدل البيزنظي!” وهذا ما ادى الى ترسيخ “النأي بالنفس” عند الجمهور. فبات عندنا جمهور أميركي لا يريد أن يتذكر “مآسيه” في الضربة ومثله الجمهور الفرنسي الذي “انغلق” على أزماته الداخلية والاقتصادية والسياسية! وقد سبقهما إلى هذا “النأي” حكومة كاميرون التي هُزمت امام برلمانها وكأنها تقول “الفخار يكسر بعضه”!

لكن نجد في المقابل حماساً ما للاقتراح الروسي الذي تلقفه كونفوشيوس البيت الأبيض، كخشبة خلاص، أو كجزء من مناورة ارتدت عليه. وهذا الاقتراح كما قلنا يسعى إلى ادانة السلاح وتبرئة القاتل، في توليفة غرائيبة تجعل من هذه الجريمة “خارطة طريق الى جنيف 2” وما ادراك ما جنيف 2، الذي من المتوقع أن يكون قطباه الروس والأميركان: وقد طمأننا بوتين في آخر تصريح له بأن “المتمردين” هم الذين اطلقوا صواريخ الكيماوي وليس النظام”. وهذا يذكرنا “بالمفكرة” الكبيرة بثينة شعبان التي وصلت بها الوقاحة إلى زعم ان “التكفيريين هم الذي قتلوا 1450 شخصاً في اللاذقية ونقلوهم إلى مكان آخر. فيا لهذه المخيلة الإجرامية لامرأة فقدت كل حس انساني. انه النظام الذي يحول ناسَه ومسؤوليه مجرد قتلة.

اما الآن فنحن امام احتمال “جني 2″ وهذا الـ ” جني” الذي قد يطول ويصبح جني 7 و جني عشرة… من يدري، كأنه سلة النسيان أو “مأدبة” الوحوش، و”آكلة لحوم البشر” لكن بأناقة عالية تشبه أناقة “مهرجي السيرك الدموي”.

فاذا كان جني واحد لم يتوصل إلى شيء، فالثاني بدأ بتغييب كل الجرائم التي ارتكبها النظام. وكأنما ارتكبت في عصر آخر، وفي عالم آخر، وكأنها بلا فاعلين. ثم بدأ بتغييب “أبطال الكيماوي” ليشوش الأوراق ويختلف حول نتائج التحقيق (وهذا ما بدأه النظام وحزب الله وولي امرة إيران وصولاً أو عودة إلى روسيا) ثم التركيز على الكيماوي نفسه مجرداً ممن استخدموه! ثم وضع أفكار سياسية حول “الحلول” أو “مستقبل سوريا” كل ذلك، ضمن صفقات في مأدبة اللئام، على دم الشعب السوري، وعلى ارادة من يمثله من الجيش الحر، والائتلاف، ثم تغييب الرأي العربي الشعبي، فعندما يختزل الشعب السوري بالتكفيريين وتختزل جريمة الكيماوي بالكيماوي. فمن الطبيعي ان يؤدي كل ذلك إلى “تهميش العرب (الجامعة العربية التي سارعت او تسرعت في اتخاذ موقف تأييدي من الاقتراح الروسي: فيا للعجلة! ويا للفخاخ المنصوبة) فلا الشعب السوري العظيم موجود ولو على ورقة في النقاشات الجنيية ولا العرب ولا ربما أوروبا… اتراها مؤامرة مرسومة قبل الضربة الكيماوية. أترى الضربة الكيماوية نفذت من ضمن هذه المعطيات التي أشرنا. اترى يبدو كل ذلك ليركز على ابقاء الحرب مفتوحة، أو على اعتبار النظام يرؤسه جزءاً من حل، يقطفون فيه ثمن جرائمهم!

اترى كل ما يجري هنا مناورات في مناورات. ربما، لكن الصحيح حتى الآن، ان النظام الممانع (رفع يديه استسلاماً (وهو يرفع اصبعيه انتصاراً: الاثنان معاً!) وابدى ايجابية في تسليم مخزونه الكيماوي ومن ثم تدميره. ام انها مناورة ثلاثية روسية النظام ايران، لكسب الوقت واستدراك مفاعيل الضربة! ام ان هذا احتمال وارد ما زال يتردد بخفر “الأنثى تَصَدّتْ للذكّر” وبخجل، و”نص ع نص” و”ربع ع ربع” وهو إقدام أوباما على تنفيذ ضربته لمعاقبة النظام السوري على جريمته الكياوية بعد “استنفاد” المبادرة الروسية والمداولات الجارية حولها؟ وهكذا يمكن ان تستفهم من وجهة أخرى ان اوباما قرر الضربة فعلاً.. بعد ذريعة فشل المبادرة الروسية بتفاصيلها وشراكها ومناوراتها!

وأخيراً، المهم ان نصدق ان النظام لن يعاقب، ثم نصدق انه سيعاقب، وان روسيا اعترفت بامتلاكه الكيماوي اي بمسؤولية عن الجريمة، ثم نصدق انها تتهم المعارضة بذلك. وعلينا ان نصدق ان هولاند “محارب”! ولا نصدق ان اوباما جدي. ثم نصدق ان الشعب السوري موجود وهو صاحب القضية ثم تجعلنا اميركا واوروبا نصدق… بأن الكيماوي موجود اكثر من الشعب السوري… وأهم من الشعب السوري لأنه يهدد اسرائيل!
والباقي الله أعلم…..

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل