لفهم معنى المبادرة الروسية ورد أوباما عليها لا بد من التوقف عند الملاحظات التالية:
1. روسيا ليست الإتحاد السوفياتي، وهي ليست قوة عظمى وهي واقعيا» بالكاد دولة متوسطة الحجم والتأثير على المسرح الدولي والشرق الأوسطي، وقد تلقت صفعات متتالية من أميركا والغرب في كوسوفو عام 1999 وفي جورجيا عام 2008 وفي ليبيا عام 2011. بوتين يريد إعادة الإعتبار لبلده محاولا» عبثا» إيهام شعبه والعالم أن روسيا عادت لأمجادها. سوريا-الأسد ليست إلا الوسيلة لبلوغ هذا الهدف والبناء عليه.
2. أولوية أوباما تتركز على الوضع الداخلي الأميركي وأولوية سياسته الخارجية ذاهبة إلى «آسيا»، أي كيفية مواجهة صعود الصين كدولة عظمى، وليست إلى الشرق الأوسط بالرغم من إختزانه لعناصر أساسية ثلاثة قد يؤدي تجاهلها ومعالجتها بطريقة غير مناسبة إلى أكثر من أزمة عالمية، إلى ما يمكن توصيفه بكوارث في المنطقة وإيضا» في العالم: إسرائيل، مصادر الطاقة، منابع الإرهاب. فبنظره إسرائيل متكفلة بأمنها، والقواعد العسكرية الأميركية في الخليج كافية لتدفق النفط. أما الإرهاب، فيكاد يختصر بإرهاب القاعدة وأخواتها، وتكفي لمعالجته الطرق الكلاسيكية المعهودة.
هذا ما يفسر أن أوباما إنسحب من العراق مسلما» إياه عمليا» لإيران وهو يتحضر للإنسحاب من أفغانستان «بالتي هي أحسن»، وهو يفتقد إلى سياسة واضحة تجاه الربيع العربي ويتعاطى ببرغماتية مفرطة مع هذا المسار، كما يتعطى مع ظاهرة الإسلاميين ولا سيما الإخوان المسلمين بشيء من اللامبالات، والأهم أنه يتفرج على المأساة السورية ويحاذر من التورط في مستنقعها بحجة وجود القاعدة وأخواتها الناتجة بالذات عن سياسته المنكفئة.
غير أن السبب الأهم لسياسته السورية هذه يكمن في أن المواجهة الحقيقية في سوريا هي مع إيران التي تستميت للحفاظ على حليفها «الممانع» بشار الأسد. والسبب أن أوباما يحلم بعقد «الصفقة الكبرى» واهما» بقدرته على إقناعها بالمعادلة التالية: التوقف عن سعيها إلى إمتلاك السلاح النووي ووقف «المقاومة» ضد إسرائيل مقابل رفع العقوبات والسماح لها بتحقيق مشاريعها التوسعية في المنطقة.
3. أما لاعب الشطرنج البارع، أعني إيران الإسلامية-الفارسية، فهو يظن أن بمقدوره أن يحمي حليفه الإستراتيجي في سوريا ويستحصل على سلاحه النووي (وهذان هدفان متلازمان) في آن معا»، دون أي تنازل لأنه يعتبر أن الغرب وإسرائيل أعجز من تمكنهما من إيذائه. مما يفتح الباب واسعا» أمام مشروعه «الإسلامي» الخاص به في المنطقة والعالم.
4. تأكد منذ ثلاثة أيام أن الإقتراح الروسي لم يكن وليد لحظته. وقال مسؤول كبير في الإدارة الأميركية لوكالة فرانس برس: «إن هدفنا منذ البداية كان ضمان أمن مخزون الأسلحة الكيماوية. والإعلان الذي أصدره الروس كان نتيجة أشهُر من الاجتماعات والمحادثات بين الرئيسين أوباما وبوتين، وبين كيري ولافروف، حول الدور الذي يمكن أن تلعبه روسيا لضمان أمن هذه الأسلحة الكيميائية.». ووفق المسؤول، فإن الفكرة طرحت للمرة الأولى بين أوباما وبوتين قبل عام خلال قمة مجموعة العشرين في لوس كابوس في المكسيك، وجرى بحثها مراراً في ما بعد «ولو أنه لم يتم التوصل إلى اتفاق» بهذا المنحى، وذلك خلال زيارة كيري لموسكو في أيار الماضي وأخيرا» خلال قمة مجموعة العشرين الأخيرة في سان بطرسبورغ الأسبوع الماضي.
5. سبق هذا العرض الروسي أخبار تناقلتها بعض وسائل الإعلام مفادها أن تفادي الضربة على الأسد قد تكون بنقل الأسلحة الكيميائية السورية إلى العراق أو إيران أو روسيا، مما يحرم أميركا من «الحجة» التي «تتذرع» بها فيتم إحراج أوباما.
6. ثمة تذاكي واضح في المبادرة الروسية حيث يمكن فهمها على النحو التالي: تعطى الأولوية لوضع الأسلحة الكيميائية تحت الرقابة الدولية في مرحلة أولى، ومن ثم يتم إتلافها في مرحلة ثانية. الهدف: إرباك أوباما وتأجيل تصويت الكونغرس على الضربة، تشويش المجتمع الدولي، كسب الوقت، كل ذلك بهدف فرملة الإندفاعة للتحشيد للضربة بحيث يصعب العودة إليها عند فشل أو تفشيل المبادرة في مرحلة لاحقة.
تأكد هذا التذاكي من خلال مواقف موسكو المعلنة التي «تعارض سلفاً أي محاولة لإضافة تلويح بعمل عسكري إلى مشروع قرار مجلس الأمن المقترح، كما ترفض الموافقة على أي قرار يقع تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة حتى لو خلا من تهديد صريح باستخدام القوة.»
أما الأسد، فقد زاد الطين بلة أول من أمس عندما ربط تجاوبه العملي مع المبادرة الروسية بضرورة تراجع أوباما عن التهديد بإستخدام القوة.
وفي الوقت عينه، إنضم إلى معاهدة حظر الأسلحة الكيميائية، في حين أن المطلوب هو عمل مادي ملموس بإتخاذ الخطوات العملية لوضع أسلحته الكيميائية تحت الرقابة الدولية على وجه السرعة لإتلافها.
7. الكل بات يعترف بصعوبات عملانية ولوجستية، ولا سيما إذا كانت المعارك مستمرة، لتنفيذ المبادرة التي تتطلب وقتاً طويلاً قد يستفيد منه الحكم الأسدي لمحاولة حسم الحرب لصالحه.
8. أثبت الحكم الأسدي، لدى قبوله أو إستعداده للقبول بتسليم أسلحته الكيميائية، أنه تخلى عن معادلة التوازن الإستراتيجي: الكيميائي السوري مقابل النووي الإسرائيلي. وذلك حصرا» بهدف بقائه في السلطة، كاشفا» عن زيف إدعاءاته «القومجية» بالممانعة والصمود ومحاربة العدو الصهيوني.
9. أما المعلم، فهو قبل بالمبادرة ولكنه لم يفصح جهارا» بقبوله بمحتواها الأساسي، أي عمليا» تسليم الأسلحة الكيميائية وإتلافها. وربط قبوله بالمبادرة بـ«ثقتنا بحكمة القيادة الروسية الساعية لمنع العدوان الأميركي على شعبنا.»، كمن يقول أن «الأصدقاء الروس» يناورون بمهارة بمبادرتهم.
10. من الصعب أن لا يكون للاعب الشطرنج الماهر، يد أساسية في صناعة المبادرة الروسية. فالقرار بموافقة المعلم الفورية لا يمكن أن يتخذ إلا من خلال راعي الحكم الأسدي، أعني إيران. وفي هذه اللحظة بالذات،نقرأ منذ أربعة أيام، أي بالتزامن مع إطلاق المبادرة، في جريدة الحياة من مراسلها في طهران محمد صالح صدقيان، الخبير المطلع على الشؤون الإيرانية، مقالا» بالعنوان التالي: «طهران تتحدث عن تجاوب خامنئي مع دعوة أوباما إلى «صفحة جديدة».»، وكأن هذا «الإنفتاح» الإيراني في هذا الوقت بالذات، على أوباما المستمية لعقد «الصفقة الكبرى» مع إيران، يربط الوعود بـ«الإنفتاح» بالسير بالمبادرة الروسية.
ومنذ ذلك الوقت، تزايدت المعلومات حول «الإنفتاح الموعود».
11. حقق التحالف الإستراتيجي الذي تتزعمه إيران وترعاه روسيا والصين، إنتصارا» مؤقتا» من خلال تمكنه من وقف الضربة أو تأجيلها. غير أن المسار الحربي لم ينتهِ، إذ ثمة تشكيك قوي لدى الطرف المقابل الذي ينتظر التنفيذ والتنفيذ السريع.
12. موقف الأسد وحلفائه هو بين حدين: النفاذ بعدم تسليم الأسلحة الكيميائية، وهذا له الأولوية لديهم، وإما تسليمها إذا إقتضى الأمر. وفي كلتا الحالتين، تكملة حرب الإبادة على الشعب السوري، حتى من دون إستخدام الأسلحة الكيميائية.
13. في حال تسليم الأسلحة الكيميائية، قد يعتبر أوباما أنه حقق هدف إسرائيل، ولكن على حساب الشعب السوري، إذ أن إسرائيل قد تعتبر (ولكن ليس بالضرورة) أن أوباما أثبت جديته ومصداقية أميركا في موضوع إستخدام القوة في مقابل أسلحة الدمار الشامل، مما قد يؤشر إلى صدقية وعوده لإسرائيل بمنع إيران من الحصول على السلاح النووي.
14. طرح الموضوع من زاوية الكيميائي يخرجه من جوهره الأساسي، أي قضية شعب يكافح من أجل خلاصه من طاغية ومن أجل حريته وكرامة عيشه، كما يظلل المحتوى الإستراتيجي للصراع في المنطقة. كما يخشى عمليا» أن يتحول الجهد لإنجاح المبادرة إلى التكيف بالسعي إلى بلورتها والسير بها دون تحقيقها.
غير أن دينامية الأحداث، تطوراتها الموضوعية وتداعياتها الخطيرة، سوف تفرض نفسها على كل اللاعبين والمتلاعبين!