صحيح للأمم المتحدة دور في منع نشوب حرب عالمية ثالثة، لكنّ احتمال نشوبها يبقى وارداً، فالمنظمة الدولية تمكنت من لعب أدوار عدة جيدة بعيدة من السياسة، خصوصاً في مجال الإقتصاد وحقوق الإنسان والثقافة والصحة والتعليم والبيئة… وقد ساهمت في رفع مستوى الإنسان الذي يحتاج دائماً إلى مزيد من الجهود لرفع شأنه.
أما في المجال السياسي والأمني فقد فشلت الأمم المتحدة، مثلها مثل عصبة الأمم، في معالجة هذه المسائل، إذ تارةً يغيب التوازن بسبب الأزمات اللاحقة ببعض الدول العظمى، وإذ إستُعيد التوازن طوراً، عاد التجاذب بين هذه الدول وعادت الأحلاف ترخي بظلالها على السياسة الدولية.
فقد عجزت الأمم المتحدة عن معالجة بعض المعضلات الدولية الكبرى، ومنها قضايا فلسطين وكشمير وقبرص، وإخفاقها في حظر أسلحة الدمار الشامل كلياً، وعدم نجاحها في إيقاف الحروب الباردة والحروب المحلية. وهذا الفشل متعلق بالخلل البنيوي لميثاق الأمم المتحدة المبني على مصالح الدول العظمى في مقابل دول غير مؤثّرة، وبسبب عدم وضوح مبادئها وتطبيقها إستنسابياً، بالإضافة إلى الأسباب المتعلقة بسياسات الدول الأعضاء في الأمم المتحدة التي منعت قيام جيش دوليّ فاعل يعمل بغض النظر عن مصالح الدول وحلفائها، ما جعل هذه المؤسسة ضعيفة أحياناً، وغير قادرة على تنفيذ قراراتها أحياناً أخرى.
ففي العام 2002 أصدر مجلس الأمن القرار الرقم 1481 حذّر فيه العراق من مغبة الإستمرار في منع المفتشين الدوليين من القيام بمهماتهم، لكنّ التدخل العسكري الأميركي عام 2003 المدعوم ببعض الحلفاء والحاصل بلا موافقة مجلس الأمن جاء ليزيد من هذا الإخفاق، إذ تبين لاحقاً عدم وجود أيّ نوع من هذه الأسلحة. وعندما استعملت إسرائيل سلاحها المحظّر في حربها على غزة، دانت الأمم المتحدة هذا العدوان وألزمت إسرائيل بالتعويض عن الضرر اللاحق بالأشخاص التابعين لها وممتلكاتهم، لكنها لم تتمكن من مساءلة إسرائيل بالنسبة الأضرار اللاحقة بالفلسطينيين وممتلكاتهم. وها هو النظام السوري اليوم يقصف شعبه بالسلاح الكيماوي في ظل توازن دولي دقيق ورفض شعوب داخل الدول العظمى فكرة الدخول في حروب غير مدروسة النتائج في ظلّ إقتصاد دولي مهتز.
أما وقد اعتاد النظام في سوريا على عقد الصفقات وابتزاز الدول واستغلال الشعوب، وهو الذي انحنى أمام تركيا عندما وافق مكرهاً على تسليمها زعيم حزب العمال الكردستاني عبداله أوجلان الذي كان محتضناً لديه (وقيل في سهل البقاع إبان وصايته على لبنان) وكذلك انحنى أمام إسرائيل يوم قصفت أراضيه مرات عدة ودمرت بعض المواقع العسكرية والسرية من دون أن يردّ على هذا العدوان!
ها هو النظام اليوم ينحني مجدداً فيقبل بتسليم سلاحه الكيماوي خوفاً من أن يسقط فتسقط معه شعارات الممانعة التي واكبت مسيرة آل الأسد في سوريا منذ أربعين عاماً تقريباً.
لكنّ مسار تسليم الأسلحة الكيماوية طويل وشاق وما التجربة العراقية والإيرانية إلا خير دليل على ذلك، فهل ينتظر الشعب بعد؟ وهل المطلوب وقوع مليون شهيد حتى تجد المنظومة الدولية طريقها إلى تحرير الشعب السوري من الموت البطيء؟