القلق الكبير يسكن كل الضاحية الجنوبية، كما كل لبناني في أي منطقة، لكن خوف أبناء الضاحية مضاعف، لأنهم يضرصون بحصرم “حزب الله” الذي أكله في القصير، وماضٍ في أكله من خلال معاركه التي يخوضها على كل الأراضي السورية دفاعاً عن ديكتاتور دمشق، وبطل مجازر القرن الواحد والعشرين.
وإذا كان “حزب الله” يتخذ مما حصل في الرويس ذريعة للعودة الى ظاهرة الأمن الذاتي التي خبرها اللبنانيون في أسوأ أيام الحرب البغيضة، فإن هذه الثقافة لم تبدأ مع تفجير الرويس ولا بعده، إنما هي مدماك من جدار الفصل السميك بين الدولة والدويلة، الذي بدأ الحزب برفعه منذ العام 2005 وأخذ يزيد مداميكه سنة بعد سنة، ليأتي هذا العمل الإرهابي في الرويس ذريعة لإخراج هذا الأمر من تدابير كانت سرية وخفية الى إجراءات باتت علنية تتوسّع بحسب ظروفها ومقتضياتها.
لا شكّ في أن ما جرى في الضاحية وطرابلس أمر خطير ومدان ويستدعي معالجة أمنية كبيرة تكون على قدر الحدث الجلل، وترقى أقلّه الى ما تستحقه دماء الشهداء الأبرياء الذين سقطوا فيها، لكن العلاج يفترض أن يأتي عبر إجراءات وخطة أمنية تضعها الدولة وتطبقها أجهزتها الرسمية وليس بالأمن الذاتي القائم الآن، والذي يكاد يكون المسمار الأخير في نعش الدولة ومؤسساتها الأمنية والعسكرية.
وبصرف النظر عما اذا كانت الإجراءات المتخذة اليوم في الضاحية والتي تتوسع يوماً بعد يوم، تخفف من خطر تكرار مأساة التفجيرين الإرهابيين، وطمأنت الناس مؤقتاً، الا أن سلبياتها كثيرة ومتعددة، وأولها أن هذه الظاهرة ستتحول في وقت قريب عبئاً ثقيلاً على “حزب الله”، يستحيل أن يصمد معه الى ما لا نهاية، وثانيها، أن الناس المقيمين داخل دويلة الأمن الذاتي لن يستطيعوا تحمّل أعباء إجراءات الأمن والتفتيش والتدقيق، خصوصاً مع عودة العام الدراسي، وتضاعف حركة السير للداخلين والخارجين من والى الضاحية الجنوبية، وما يسببه ذلك من احتجاز للناس في الطرق وتأخيرهم عن أعمالهم وتخلّف أبنائهم عن مدارسهم الموجودة خارج الحزام الأمني، وثالثها وهي الأخطر، أن أي اختراق أمني أو حادث أو تفجير إرهابي آخر قد يقع لا قدّر الله سيجعل “حزب الله” مسؤولاً عن هذا الاختراق، لأنه أخذ على عاتقه أمن أبناء الضاحية، وبالتالي فإن الناس ستسأله هو، ولن تسأل الدولة أو تحمّل اي جهة أخرى مسؤولية هذا الإختراق إذا ما حصل لا سمح الله ألف مرة.
من هنا فإن الأمن الحقيقي هو هيبة يفرضها حضور الدولة والجيش والقوى الأمنية الرسمية، وليس أمناً ذاتياً، ونصب حواجز ثابتة وطيّارة وتفتيش الناس واحتجازهم بالطرق في طوابير السيارات لساعات وساعات.
الأمن الحقيقي، هو ثقافة ومواطنة وتسليم بمرجعية الدولة وأن يكون الجميع تحت مظلتها والإنصياع الكلي الى قوانينها، واحترام أجهزتها الأمنية والعسكرية، وليس بخطف دورية تطارد مطلوباً ولا بقتل ضابط ينفذ مهمة أمنية على رأس قوة عسكرية اقتربت من منطقة عازلة أو جزيرة أمنية، ولا بتسليط النساء والصبية على قوى أمن تحاول إزالة مخالفة بناء، أو منع التعدي على الأملاك العامة والخاصة.
وكذلك الأمن الحقيقي، هو بأن يتحول كل حزب أو كل محازب ومواطن الى عين وأذن للدولة، وعضداً لها، لا أن يستضعفها ويتطاول عليها ويقفز فوقها، ويسخر طاقاتها لحساب دويلته وسلطته وأمنه الذاتي. وحين يؤمن الجميع بحكم القانون والعدالة الوطنية، وأن يقف تحت سقفها وأمام محرابها وينصاع لقراراتها وأحكامها، لا أن يحمي قتلة الرئيس الشهيد رفيق الحريري وباقي الشهداء، وأن يجعل منهم قديسين فوق المحاسبة والمساءلة والمحاكمة، ولا يهدد بقطع اليد التي تمتدّ اليهم، ولا يمنع المتهم بمحاولة إغتيال النائب بطرس حرب المعروف بالاسم والمضبوط بالجرم المشهود، من المثول أمام القضاء والتحقيق معه، ولا يخفي قتلة الشهيد النقيب الطيار الحقيقيين، ويخرج المتهم الوهمي من السجن بعد شهرين أو ثلاثة من توقيفه.
الأمن هو مساعدة الجيش على بسط سلطته على كامل تراب الوطن، لا أن نجعل أرض وسماء مناطق محرمة عليه وعلى قواته وطائراته كما حصل في إسقاط طائرة الجيش في تلال سجد، لأنها دخلت مجالاً جوياً يقع تحت سلطة “المقاومة”، ولا بالتصدي للجيش في مارمخايل وسجن عشرات الضباط والعناصر الذين تصدوا لمحاولة إقتحامهم وانتزاع أسلحتهم.
.. والأمن، لا ولن يأتي الا إذا أيقن “حزب الله” ولمرة واحدة أن السلاح غير الشرعي سواء الذي يوظفه في الداخل، أو الذي يوزعه على الميليشيات الحليفة في شوارع وأزقة كل مدينة وقرية من أقصى الشمال الى اقصى الجنوب لغايات سياسية، أو ذاك الذي يستثمره في سوريا لمشاريع خارجية، لن يجلب له وللبلد الا الخراب، وأن يقتنع ولمرة واحدة أيضاً أن خلاصه وخلاص كل اللبنانيين في دولة قوية وقادرة وعادلة تحمي الجميع ويحتمي بها الجميع، وعندها يخرج هو ويخرج اللبنانيين من سجن الخوف والقلق الى واحة الأمن والإستقرار والسلم الأهلي الحقيقي الذي ما برح أملاً للحالمين بوطن السلام.