أن يدعو رئيس الحكومة المكلّف النائب تمام سلام مرارا ويوميا الى الإعتدال والتوحّد حول لبنان والتلميح الى أن هناك من يعرقل مهمّته، لا يعني أنه مرشّح غير قادر على تشكيل حكومة ولا يؤشّر كذلك الى أن الدستور اللبناني لم يعد متلازما مع النسيج اللبناني.. أما أن يدعو “التيار الوطني الحرّ” سلام “للإعتذار عن عدم تشكيل الحكومة”، فهذا يعني بأن النائب المكلّف بمهمة وطنية في هذه الظروف الدقيقة، لا يحوز شخصيا على “إعجاب” التيار ولا يدعم مشاريعه الوزارية المبنية على تحالف التعطيل مع حليفه المعطّل!
فقد وجد “التيار” الحجّة الأكثر ملاءمة لتبييض “غسيله” وتلميع صورته أمام الرأي العام.. كانت هذه الحجة لتنجح لو كان غير متفاهم مع الحزب المسلّح، حيث أن مهمّة عرقلة التشكيل باتت أسهل من مهمّة تسهيل التشكيل! لا يحتاج الحليفان الى أسلحة لتنفيذ هذه المهمة، فـ “العصي بالدواليب” تكاد تكفي.
يجيز الدستور لرئيس الجمهورية ورئيس الحكومة معا اختيار الوزراء، ولا شكّ بأنهما لو أرادا ذلك لتشكّلت الحكومة منذ أن أدار سلام محرّكات محادثاته أملا بتجازب كل الأفرقاء وتشكيل حكومة عادلة. والعدل يعني المساواة والتوازن، الكلّ ارتضى واقتنع إلا قوى 8 آذار وتحديدا “حزب الله” و”التيار”. هذا الواقع، الذي يعيشه اللبنانيون يوميا من اقتراحات سلام وصدّها من قبل الفريق الآخر، يردّه عضو تكتل “التغيير والإصلاح” النائب نعمة الله أبي نصر الى سلام شخصيا داعيا إياه الى “الإعتذار عن عدم تشكيل الحكومة”.
سلام، لم يفرض نفسه مرشّحا، فهو حظي بـ 124 صوتا في المجلس النيابي، والأصوات الأربعة المتبقيّة رفضت التصويت لأسباب خاصة منها رئيس التكتل النائب ميشال عون، وها هي الأسباب تتضّح اليوم، ربّما كان يعرف عون مسبقا بأن مهمة سلام ستكون معرقلة وحتى مستحيلة أو كأنه أراد أن يقارن التوقيت الذي سيستغرقه سلام في تشكيل حكومته مع التوقيت الذي شكّل فيه حكومته العسكرية الإنتقالية في العام 1988 ولم يكن له حينها الثلث المعطّل بل “الكلّ المعطّل”.. على هذا النحو، يسعى “التيار” الى اختيار رئيس حكومة يؤمن له حكومة معطّلة للحياة السياسية فيختلّ التوازن ومعه يكون عهد العدل قد ولّى..
المطلوب بحسب “التيار” إذاً، أن يعتذر سلام “مفسحاً المجال امام تكليف شخصية سنية اخرى تكون قادرة على القيام بهذه المهمة ومحررة من الضغوط التي منعت الرئيس سلام حتى الان من القيام بواجبه”. بالفعل إن عاملين يحولان دون تشكيل الحكومة اليوم، تمسّك سلام بالمساواة ومطالبة الفريق الآخر بالثلث المعطّل.. ففضلاً عمّا متطلبات “حزب الله” التي تشبه العقبات والمعوّقات، فإن “التيار” لن يرضى بحكومة لا تعطيه عشرة وزراء على الأقل.. لكن المطلوب هو تيسير أمور الناس وليس جعلها أكثر عسراً، فالمواطنون بحاجة الى كهرباء ومياه واتصالات لا تتقطع وانترنت سريع لا الى بواخر أجنبية تحتاج الى من يصلحها أو الى وزراء سدود أثبتوا براعتهم في تدشين المشاريع غير المكتملة.
وأخطر من التعطيل السياسي، وتعطيل مصالح الشعب، يبدو أن “التيار” الذي تمسّك بالدستور في مرحلة ما قبل الإنتخابات النيابية فجأة وفسّره بما يتلاءم ومصالحه، طمعا بإقرار مشروع قانون “اللقاء الأرثوذكسي” لإحداث الشقاق بين اللبنانيين وإشعال الفتنة الطائفية، عاد ليقول بأن الدستور لا يلبّي رغباته ورأى بأن “الحل بنظام سياسي جديد ينتخب فيه رئيس الجمهورية مباشرة من الشعب، ويعطي صلاحيات واسعة تسمح له بأن يحكم مع فريق عمل متجانس يختاره هو”. لكن السؤال هو: كيف سيقبل “التيار” برئيس يختار فريق عمله بنفسه، وهو يرفض اليوم أي اقتراح من سلام بأن يشكّل بنفسه حكومة عادلة ومتوازنة؟
حلول سلام لا تناسب “التيار” لأن اعتدال الأول لا يشبع أطماع الثاني ولا يلبّي رغباته. ثم إن الدستور اللبناني، وهذا أهمّ ما فيه، وهذا أصلا ما يميّزه عن دستور العام 1926 والآخر في العام 1943، إنه يربط القرارات المصيرية بأكثر من شخص، وهذا ما جعل التوزان قائماً بين الطوائف.. فهل يمكن لأي مطّلع على الدساتير اللبنانية أن ينكر بأن ربط القرارات الدقيقة والوطنية بشخص رئيس الجمهورية وحده، بغض النظر عن الأسماء، قد يشعل فتنة وينشئ لحروب أهلية؟
لا يعيش اللبنانيون اليوم قبل 4 آلاف سنة قبل المسيح، لا يعيشون في عهد أفلاطون ولا في الجمهورية الفاضلة والحاكم الفيلسوف الذي لا يمسح بأن ينخر الفساد جمهوريته.. فالواقع اللبناني يفرض التنوع في النسيج اللبناني الذي يشكل المجتمع والذي يجب أن يكون مطابقاً للنسيج السياسي. وإن “حزب الله” الساعي دوماً الى مؤتمر تأسيسي يقلب وجه لبنان الى دويلة “إلهية”، ودعوة “التيار” اليوم الى اعتذار سلام واختيار مرشح لا يخضع الى ضغوط والعودة الى الإنقلاب على الدستور ليس سوى هروب الى الأمام في محاولة للمزيد من العرقلة والتعطيل. “حزب الله” و”التيار” يجسّدان المثل اللبناني “لو ما توافقوا ما ترافقوا”!