لم تكن اسرائيل غائبة عن الاتفاق الروسي. ثمّة معلومات تقول إنها كانت المهندس الحقيقي للصفقة، التي نزعت من النظام الأداة الأخيرة للإدعاء بأنه قادر على تحقيق توازن الحدّ الأدنى في مواجهة ترسانتها النووية.
ثمّة ما يقود الى الاعتقاد بأنّ النظام السوري الذي لم تدعمه روسيا في مواجهة الضربة، والذي لم تُبدِ ايران تأكيداً على دخولها المعركة الى جانبه، فضَّل اللجوء الى رأس النبع، الى اسرائيل، عبر تقديم هدية الكيماوي، وتفضيل التنازل لها، بدلاً من التنازل لشعبه الثائر، وهو مسار بدأ ولا يُعرف اين ستنتهي التنازلات التي ستُقدّم على امل التمسّك ببقاء النظام.
إزاء هذا المشهد الاحتفالي بهزيمة محقَّقة مُنِيَ بها النظام وحلفاؤه، الذين فضلوا تسليم أوراق التوت إلى إسرائيل على قاعدة الحفاظ على البقاء، وإزاء أجواء الانتصار المضخمة التي عمَّمها “حزب الله” وحلفاؤه، يبدو الموقف الحقيقي للحزب بعد هذه التسوية أقرب الى الحذر منه الى الإعتقاد بتحقيق انتصار.
ما بعد الاتفاق على نزع الكيماوي يبدو اكثر مدعاة إلى الحذر. فإيران لم تكن جزءاً من هذا الاتفاق، ذلك على رغم حرصها على أن تبدو في قلب المشهد. والإتفاق عينه سيقود حتماً الى مسار “جنيف 2” الذي يعني بداية ترتيب مرحلة انتقالية حقيقية في سوريا، بعد تأليف حكومة تتسلَّم البلد بصلاحيات كاملة. اما إذا أخفَق هذا المسار، او إذا تعذَّر تطبيق الاتفاق على نزع السلاح الكيماوي، فإنّ خيار الضربة العسكرية سيبقى موجوداً على الطاولة، وفي كلّ ذلك لا تبدو إيران التي استثمرت الكثير في بقاء النظام، قادرة على حجز مكانها على طاولة الكبار، لا بل ظهرت وكأنها عبر ما أطلقه العراقيون من مبادرة تجاه سوريا، في وضعيّة الاحتجاج على تمكّن روسيا من الإمساك الكامل بالورقة السورية.
لم يعد بإمكان “حزب الله” بعد هذه التسوية أن يكون في وضع مريح. النظام اصبح ورقة في يد الروس، واسرائيل تفاوض عبر الادارة الأميركية، وترعى تنفيذ دقة التزامه بتسليم الكيماوي. فماذا يمنع أن يُقدِّم هدايا أخرى أكثر أهمية ما دامت إسرائيل قد لعبت دوراً مؤثراً في انتاج التسوية وحفظ بقائه ولو ضعيفاً؟ وهل يمكن أن تكون هذه الهدايا على طريقة تقديم معلومات أمنيّة ثمينة عن الحزب، الذي لم ينسَ بعد اغتيال قائده عماد مغنية، والتحقيق المكتوم باغتياله وعدَم الإفراج عن الحقيقة، او أن تكون على طريقة تفجيرات الضاحية التي يلفّ الغموض نتائجها، وسط صمت من الحزب إزاء خيوط تصل الى اتهام النظام السوري بارتكابها؟
بعد التسوية الاميركية – الروسية التي لم تخضع بعد للإختبار الحقيقي، يُنتظر أن لا يتغيّر شيء في لبنان. ففي التوازن السلبي القائم مبادرات لن تفضي الى اختراق. فلا “إعلان بعبدا” ما زال مقبولاً من “حزب الله”، ولا “14 آذار” ستتعاطى بإيجابية مع مبادرة الرئيس نبيه برّي، ليس لأنها لم تحوِ ايجابيات تتعلق برفض التدخل في الشأن السوري، بل لأنها تضيف الى طاولة الحوار بنوداً تحوّل الطاولة الى مؤسسة دستورية رديفة، وهو ما ترفضه قوى “14 آذار”.
هذا سيعني انّ تمديد الانتظار سيكون امراً محتوماً، وانّ رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان الذي يصرّ على تأليف الحكومة قبل نهاية العهد، لن يتمكّن من الذهاب الى نيويورك وقد شكَّل هذه الحكومة.