#adsense

عودة زمن السفّاحين

حجم الخط

يعتبر البعض أنّ الإكثار من سَفك الدّماء والقتل لدى السفّاح هو عمل عشوائيّ، الهدف منه بثّ الرّعب وإشاعة موجة من الهَلَع تكشف عن قِناع العّداوة من ناحية، وتحدِث صّدمةً نفسيّة في الخصوم من ناحية أخرى تؤدّي الى إحجامهم عن التّمادي في المواجهة، ليغترّ بعدها السفّاح بجولات القرصنة التي يأتيها، وبانتصاراته الشيطانيّة التي لا تترك خلفها ناجين أو أحياء.

لكنّ هذا التّوصيف، على جِدِّيَّته، لا ينطبق على السفّاحين الجدد الذين تحوّل القتل عندهم الى هواية، أو ذِهنيّة مريضة، إذ يصدر عملهم الإعداميّ عن نَوبَة من الرغبةٍ الجامِحة الى العنف والإعتداء، فيتشكّل الإيذاء بسلوكيّة من الدَم البارد، وتسيطر سياسة التّدمير بوجهٍ منظَّم في البلاد والعِباد . هم يبيعون لحم النّاس الى البارود، وعلى أيقاع شلاّل الدمّ يشرّعون الإرتكابات التي تنتهك المعايير الإنسانيّة والحقّ في العّيش، فهم أبعد السفّاحين شهرة في الإجرام المُمَنهَج، إذ ينضح الظّلم من جِلدهم، وتتقطّر من شِفاههم المَشقوقة زَرَدُ الحقد .

في سوريا اليوم نِزال بين أنيابٍ مُكَشَّرة يطوف بها الموت، توزِّع سواد المصير على البلاد، وتدلّ النّاس على أبواب القبور، وتدَّعي مواجَهةً مع إرهاب ومخرِّبين، تبدو فيها المصداقيّة ظلالاً باهِتة. وبين قوم يُسَربِلون كرامتهم بدمهم الحارّ الدَّسِم، يحتسون طعم الجِراح  لقضيّة سامِيَة ترسم في جِباههم شارات البطولات، ويعيشون نضالاً نَسَجَ وِحدةً وجدانيّةً مع الوطن في حالة حُلول مصيريّة.

النّظام السوريّ صاحب إستراتيجيّة لم تعد خافية، وهي تحويل الأرض الى قبر كبير، قبرٍ قبيح يملأ الرّحب، لا تناقض بين الرّفات فيه، فكلّها ضحيّة لِبَطشٍ شَرِسٍ تتريّ، وكأنّ رسالة النّظام الى ” أهله ” أنّ حياتكم هي فِراش موتكم المحتوم.

يعتبر النّظام أنّه يأتي الفتوحات المُبينة في عمليّات القتل والهدم ، فتوحات عظيمة الفائدة،

برأيه، ولكن في عصر انحطاط ومَظالم ووحشيّة، حيث تخدَّرت إحساسات العالم وذَبُل اهتمامه بالإنسان وبالقِيَم. فأين التّغنّي بالحريّة وبالمدافعة عن الشعوب المُستَعبَدة، وأين الدَّور الطّليعي للمنظّمات الدوليّة في رعاية حقوق الإنسان، وأين المواثيق العالميّة التي تتصدّى للجرائم السياسيّة ووحشيّات أصحاب النّفوذ، لقد أضحت كلّها أوهاماً وخُرافات ومجرّد تعاويذ تتمنّى عودة الملامح النَّضِرة وشيئاً من الصحّة الى مَن أرهقته أيّام الدمّ والوَحل .

العالم في نَوازعه وأهوائه لم يعد يخاطب المجرمين والطُّغاة إلاّ بذهنيّة المَصالح، فالحشد الكبير من التّهديد والتّحذير هو مَحض كلام إنشائيّ، فلربّما كان للعالم عَمَل جانبيّ أكثر أهميّة من التدخّل لوَقف البَطش ولوضع حدٍّ لمعاناة النّاس وفجيعتهم. أمّا ادّعاء المشاركة الممسوحة بالحزن والتأسّف فليس سوى تأثّرعارض لا يصلح إلاّ في تأبين الشّعوب.

لقد رُوِيَ عن طلعت بك، زميل جمال باشا في جرائمه، أنّه قال للسفاح : لو أَنفَقنا كل القروض التي أخذناها لِسَتْرِ شرورك وآثامك، لما كَفَتنا .

والسؤال :عندما يقضي السفّاح نَحْبَه، هل يستمتع بالإستماع الى صوت دمه يتدفق من عنقه ؟

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل