لكن ما حدث في واقع الأمر، أنهم لم يكادوا يعبّرون عن ارتياحهم لتأجيل التهديد الأميركي حتى جاءتهم “الضربة”، وفق التعبير الدارج، من مكان آخر… من داخل النظام السوري نفسه هذه المرة. إذ امتلأت تقارير الإعلام والمخابرات الغربية بأنباء عن نقل جزء كبير من الأسلحة الكيميائية السورية الى “حزب الله” في لبنان، تماماً في الوقت الذي كان فيه وزيرا الخارجية الأميركي جون كيري، والروسي سيرغي لافروف، يبحثان في جنيف في إجراءات نزع هذه الأسلحة تمهيداً لتدميرها.
وبعيداً من التفاصيل (قال البعض إن أكثر من عشرين شاحنة كبيرة عبرت الحدود الى لبنان وهي تنقل هذه الأسلحة)، فلا حاجة الى القول إن مجرد وجود أسلحة من هذا النوع داخل لبنان يجعل منه هدفاً في حد ذاته، فضلاً عن الغازات والسموم التي يهدد بها حياة اللبنانيين كلهم ومن دون استثناء… حتى ولو لم يتم اكتشاف مخابئها، وتالياً استهدافها بالصواريخ الأميركية أو غيرها.
والحال أن مسألة نقل هذه الأسلحة الى لبنان ليست جديدة، فقد تحدثت عنها إسرائيل مراراً في السابق، بل وأشارت الى استهداف شحنات منها قبل أن تعبر الحدود السورية، إلا أن جريمة الغوطة واضطرار نظام الأسد الى الاعتراف بوجودها أولاً (هل نسي أحد بعد عبارة “إن وجدت” وفرار الناطق باسم الخارجية السورية جهاد المقدسي من دمشق بسببها؟) ثم دخول معاهدة حظر انتشارها، فتحا الباب أمام النظام بحسب هذه التقارير لتهريب بعض هذه الأسلحة أو معظمها الى حلفائه في لبنان من جهة أولى، وفي العراق من جهة ثانية.
للتذكير، كان الرئيس العراقي السابق صدام حسين قد لجأ الى الخدعة نفسها عشية الغزو الأميركي للعراق في العام 2003 عندما عمد الى تهريب قسم من أسلحته الكيميائية والبيولوجية الى سوريا.
وللتذكير أيضاً، كان الأمين العام لـ “حزب الله” السيد حسن نصرالله قد تحدث علناً قبل شهور عن استعداده ومقاتلي حزبه للتعامل مع نوعيات من الأسلحة وصفها بأنها “تكسر الموازين في المنطقة”.
والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة هنا، ليس عما إذا كان نصر الله يقصد في كلامه هذه الأسلحة بالذات فحسب، بل عما هو أهم من ذلك وأخطر بكثير.
السؤال الكبير هو: هل يجوز لـ “حزب الله” أو غيره تحميل لبنان في هذه الحالة ما تحمله نظام الأسد لدى غزو العراق من قبل الولايات المتحدة وحلفائها في العام 2003؟. بل وهل يقف لبنان، كما كانت حال نظام الأسد يومها، على عتبة احتمال قفز الغزاة الى دمشق لإسقاط النظام فيها بعد إسقاط النظام في بغداد، كما كانت الدعوى السورية في ذلك الوقت؟.
لا مبالغة في القول إن هذا بالضبط ما يريده نظام الأسد و”حزب الله” معاً للبنان في الفترة الحالية، وخصوصاً في الفترة المقبلة، من أجل استكمال حرب هذا النظام للاحتفاظ بالسلطة ولو على حساب البقية الباقية من الشعب السوري.
“اذا كان لدينا خمسة آلاف مقاتل في داخل سوريا الآن، فسنرسل عشرة آلاف في الغد”، هكذا رد نصرالله على منتقدي تدخله في القتال الى جانب نظام الأسد غداة متفجرة الرويس الشهر الماضي.
وهكذا أيضاً يرد في هذه الأيام، وبنغمة واحدة مع حلفائه وحلفاء حلفائه وأتباع النظام السوري في لبنان، على “إعلان بعبدا” الذي أقر بالإجماع على طاولة الحوار الوطني قبل عام من الآن.
فهذا الإعلان، يقول أحدهم، كان مجرد أفكار للبحث على طاولة الحوار ولم تتم مناقشتها أو الموافقة عليها في أي يوم من الأيام أو بأي شكل من الأشكال!.
وهو، لا يخجل آخر في القول، ليس إلا توصية قدمها رئيس الجمهورية للمتحاورين على الطاولة… وبهذا المعنى، يمكن لمن يريد أن يأخذ بها ولمن يريد أن يرفضها!.
وهو، يزعم ثالث، يفترض تحييد لبنان عن الصراعات الإقليمية والدولية، لكن حياداً من هذا النوع يلزمه توافق لبناني غير موجود بين قواه السياسية من ناحية، كما يلزمه قبول إقليمي ودولي غير موجود كذلك من ناحية ثانية!.
وهو، يدعي رابع، يتناقض حتى مع الدستور و”اتفاق الطائف” باعتبار أن الأخير ينص على حق لبنان في تحرير أراضيه بالوسائل التي يراها مناسبة… وهي هنا “المقاومة” وليس غيرها!.
لكن “حزب الله”، بشخص رئيس كتلته النيابية محمد رعد، لا يعير مثل هذا الكلام بشأن “إعلان بعبدا” أي اهتمام، بل يختصر المسألة كلها بعبارة واحدة:هذا المخلوق مات في الواقع قبل أن يولد!.
هل هي “الضربة” الأميركية المؤجلة التي تؤرق لبنان الآن، أم هي “الضربة” السورية ـ اللبنانية التي قد تتحول الى ضربة فعلية إذا ما تأكد نقل الأسلحة الكيميائية اليه، وبقيت مواقف بعض أطرافه من “إعلان بعبدا” على حالها؟.
