إنّ إعلانَ دولة لبنان الكبير سنة 1920 كان أهمَّ حدثٍ في تاريخ لبنان. قبل هذا التاريخ ما كان أحدٌ يتصوّر أن هذه الدولةَ ستنشأ في ظلِّ وجودِ معاهدةِ سايكس بيكو ووعدِ بَلفُور ورسائل ماكماهون ومشروعِ الوِحدة العربية بقيادة الشريف حسين. لبنانُ الكبير يُجسّد قيمتين: روحيةٌ إنسانية، وماديةٌ جغرافية. القيمةُ الأولى هي تعايش الأديان، والثانيةُ هي حدود الدولة. ويَصعُب بالتالي على إحداهما أن تصمدَ في حال سقطت الأخرى. ويَتعذّر استطراداً للاثنتين أن تستمرا ما لم توفّرا حريّةَ المواطن اللبناني وأمنَه. إذن، تَكمُن أهمية إعلانِ لبنان الكبير، وهو ثورة الشرق الأولى، بما يلي:
أهمية لبنان الكبير
1. نشوءُ الدولةِ اللبنانية على أرضِها الطبيعية وبشعبها التعدّدي ودستورِها المدني ونظامِها الديموقراطي واقتصادِها الحـرّ، وبنمطِ حياةٍ متشابه.
2. خرقُ اتفاقيةِ سايكس بيكو التي لم تكن تَـلحَظ وطناً لبنانياً مستقلاً.
3. اعترافُ عُصبةِ الأممِ المتحدة بشرعيّةِ هذه الدولة وكِيانها وبحدودها الدولية.
4. انتدابُ فرنسا لرعاية الدولة الناشئة. فالانتداب وإن كان أحدَ أشكال الاحتلال، فأنه أكّد بالمقابل قرارَ المجتمع الدولي بحمايةِ الكيانِ الناشئ ومنعِ الاعتداءِ عليه أو ضـمِّه إلى كيان آخَر.
5. ولادةُ أهمِّ تجربةٍ إنسانية وروحية في لقاءِ مسيحيين متعدِّدي الطوائف، ومسلمين متعدّدي المذاهب في دولةٍ واحدة، وهويّة لبنانيةٍ جَمعت أصولَها الآراميّة والفينيقيّة والعربية والعالمية.
6. فكُّ الارتباطِ السلطوي بين لبنانَ والخلافةِ الإسلاميّة من الراشِديّة إلى العثمانية، وبِدءُ النضالِ لفك الارتباطِ السياسي بين لبنان والدولةِ الفرنسية المنتدَبة.
7. تقديمُ نموذجٍ مسبَقٍ مضادٍّ لأحاديّة الدولة الإسرائيلية. لا بل إن لبنان الكبير حمى أراضيَ عربيةً من الاحتلال: فلو لم يكن الجَنوبُ والبقاع ضمنَ الدولة اللبنانية لكانت إسرائيل ضمتّهما على الأرجح إليها سنةَ 1948 أو سنةَ 1967.
اليوم نسأل ماذا حلَّ بهذا الانجاز الذي لا عودةَ عنه مهما كان تقييُمنا له. وتقييمي الشخصي قاس، فأنا ابن أقسى مرحلة مرّ بها لبنان الكبير (1958/ 2013). إن الحكمَ على أي تجربةٍ وطنية يرتكز على مدى تحوّل فكرةٍ وطنيةٍ دولةً ناجحة. وتقييمُ نجاح أو فشلِ الدولة يَستند إلى أربعة معاييرَ أساسية: الاقتصادُ والديمغرافيا، الانسجام الثقافي والديني، السياسة والديبلوماسية، الأمن والحرية. ومُحصِّلة المعايير الأربعة هي الوحدة الوطنية التي تتجسّد خصوصاً بوحدة الدولة. إذا اعتمَدنا هذه المعايير العالمية فلا نتوقّع حكماً بالبراءة بحقِّنا رغم قَبساتِ النور التي برزت في بعض المراحل على صعيد التجربة اللبنانية.
خطوط دفاع
كل مشروع يحتاجُ دراسةَ جدوى، وفي ضوئها يتقرّر بدءُ تحقيقه. قد لا تكون الفكرةُ خاطئةً، لكن السيرَ بمشروعِ لبنان الكبير جرى من دون دراسةِ المخاطر. وخطوطُ الدفاع التي بناها أجدادنا لتحصين مشروعهم اخترقتها، من دون أن تُسقِطَه بعد، تطوراتٌ وأحداثٌ كان يمكن أن يَروْها بالعين المجرَّدة ومن خلال مراجعةِ أحداثِ التاريخ وحركةِ الديمغرافيا.
أولُ خطِّ دفاعٍ لصون لبنانَ الكبير كان الانتداب، ولما تخلّينا عن الانتداب اعتبرنا الاستقلالَ مترافِقاً مع الحياد ضماناً أصيلاً لوحدته، ولما نِلنا الاستقلالَ حصّناه بخطِّ دفاعٍ جديدٍ هو الميثاقُ الوطنيّ لرعاية العيش المشترك. وحمينا كل ذلك بدولة اعتمدت الديموقراطية نظاماً. لكن هذه الحماياتِ خَرقها الفكرُ الوحدوي العربيّ وثُم الفكرُ الإسلاميّ الأصولي، الشيعيّ بعد الثورةِ الخمينية فالسنّي بعد حربِ أفغانستان. وتَرافق هذا الخرقُ مع حصولِ التجنيس الجماعي وبروز السلاح الفئوي. بين هذه الخروقات كانت الاثقالُ الفِلسطينيةُ والسوريةُ والإسرائيلية مع ما سبَّبت من حروبٍ ومآسي واحتلالٍ واستيطانٍ وتعليقِ الدولةِ والتعايش والاستقلال. ولا ننسى فئاتٍ إسلاميةً تذرّعت برجَحان الدورِ المارونيّ في مؤسساتِ الدولةِ سابقاً، فتحالفت مع قِوى غير لبنانية بغيةَ تغييرِ النظامِ وتعديلِ الميثاقِ وتوسيعِ دور الإسلام السياسي واليساري في الحكم.
تجربةُ الوحدةِ المؤسساتيّة والمركزية الحديثة بين اللبنانيين لم تَستقر رغم الكِلفةِ الباهظة التي تكبّدها اللبنانيون، لا بل تبدو عاجزةً عن اجتياز النقطةِ التي بلغتها كرياضيٍّ ينوء تحت الاثقال حين تتجاوز وزناً معيّناً. فهل للبنانَ الكبير عمرٌ محدَّدٌ أم أن اللبنانيين ساروا بالوِحدة من دون قناعة وبدأوا ينسحبون منها الواحدُ تلو الآخر مثلما دخلوا إليها الواحدُ تلو الآخر؟
سوء تفاهم مقصود
الحقيقة أن كلَّ مكوناتِ الوطن اللبناني أعلنت ولاءها للكيانِ اللبناني تِباعاً وعلى دفعات وبشروطها ونتيجةَ خيباتِ أمل من ميولها السابقة. وكأن الولاء للبنان هو زواجٌ عقلاني، بل زواجُ “سِتْرة”، وليس زواجاً من أول نظرةٍ أو بعد غرام وهيام. هذا تكدّر من نظامٍ عربيّ، وذاك من غربٍ أناني، وذلك من قومية اضمحلت. إن الولاء للبنان هو الحبُ لآخِرِ حبيبٍ وليس للحبيبِ الأول. هذا يعني أن الولاء للبنان هو ولاء سلبي. ولذلك نرى كلَّ مكوّن يضع دفترَ شروطٍ على الدولة والوطن والشركاء الآخرين.
لطالما تَبيّن أن لبنانَ قائمٌ على سوء تفاهم مقصود، أي على خبثٍّ متبادَل. والأخطر أن كلَّ طرف لبناني عرَف منذ سنة 1920 ماذا يخطِّط الآخَر. إن الخبثَ لا يَبني وطناً تعددياً أكان كبيراً أم صغيراً. الواقع أننا عِشنا حالةً اتحادية منذ سنةِ 1920 من دون أن ندريَ، ودريْنا بعد اتفاق الطائف من دون أن نعترفَ بها، ونسعى اليوم إلى الاعتراف بها من دون إعلانها.
تحصين أخلاقي
لكي تحيا تسويةٌ سياسية مصيرية في وطنٍ تعدّدي يجب أن يحصِّنَها أيضاً مستوى أخلاقيٌّ وثقافيّ وحضاريّ رفيع، ذلك أن التعدّديةَ أكانت لغويّةً أم دينية أم إتنية، لا تنمو بسلامٍ واستقرار إلا بعد أن تُصبحَ كلّ المكونات على ذات المستوى الأخلاقي. إن التشابهَ (لا التماثل) في “نمطِ الحياةِ” Mode de Vie ضروريّ لقيامِ وحدةٍ مهما كان شكلُ الدولةِ الدستوريّ؛ أكان مركزياً أم فدرالياً أم كونفدرالياً. ومراقبةُ تطورِ الوِحدة اللبنانية تُظهر أن الخلافاتِ السياسيةَ والحروبَ والتهجيرَ لم تؤثّر على وِحدة لبنان كما أثّر عليها التباينُ النامي في نمط حياةِ الجماعات اللبنانية منذ ثمانينات القرن الماضي. فوِحدةُ لبنان تكون حضاريةً أو لا تكون. من هنا تستلزم التعدديةُ بنيةَ قيمٍ أبرزها:
• نمطُ حياةٍ متشابه،
• الإيمانُ بالوطن من دون إشراك،
• الخضوعُ لدولة الحق والقانون والقَبولُ بأحكامها،
• عدمُ اللجوء إلى العنف الداخلي،
• الامتناعُ عن الاستعانةِ بالخارج لتغييرِ المعادلاتِ السياسية والتسويات التاريخية،
• واحترامُ الآخر ـ لا القَبولُ به ـ لأنه أساساً لا يحقُّ رفضُ الآخر لكي أمنِّنَه بالقبولِ به.
التحـوّلات القاتلة
تصرفاتُ اللبنانيين ومواقفُهم تترك انطباعاً وكأن لبنانَ ليس بعدُ كياناً وطنياً، بل هو مشروعٌ سكنيّ تعيش فيه مجموعاتٌ مختلِفة، وتمارس كلّ مجموعةٍ سياستَها الخاصة ووطنيّتها الخاصة وقوميّتها الخاصة ونمطَ حياتها الخاص. تعيش هنا وتنطلق إلى هناك وهنالك، إلى هذا النزاع أو ذاك الصراع، ثم تعود تنام في بيتها داخلَ المشروع السكني. وما يَزيد هذا الانطباعَ جِدّيةً، الشعورُ بتراجعِ مشروع الدولة مع أننا أولُ دولةٍ تأسست في هذا الشرق، فبعد ثلاثةٍ وتسعين عاماً على نشوء الدولة اللبنانية لا نزال نناقش مشروعَ الوطن مع أننا اعترفنا به أيضاً وطناً نهائياً في اتفاق الطائف سنة 1989. أجل، إن تصرفاتِ لبنانيين ومواقفَهم تُرجِعنا إلى نقطة الصفر التكوينية حيث عُدنا نطرح وجودَ لبنان وهويّتَه وحدودَه وكيانَه ووِحدَته، فيما يفترض فينا أن نكون تجاوزنا هذه المناقشات منذ سنوات بل منذ عقود إلى مجتمع الحق والمعرفة والتواصل. أفهم أن يجري تحديثُ الدولة، لكن لا أفهم أن يُصارَ دورياً إلى تحديث الوطن والكيان، بل إلى التشكيك بهما.
إن الولاء للبنانَ والاعترافَ به وطناً نهائياً يجب أن يَقترِنا بتحييدِه عن المحاور والصراعات، فأساساتُ لبنان لا تتحمّل أيَّ انحياز وأيَّ تطرّف، فلبنان الذي ترنّح، وقد كان الاعتدالُ الديني هو المسيطِر، ما حالُه مع تصاعدِ التطرّف الديني؟
لم يعد جوهرُ الصيغةِ اللبنانية التي انطلقت سنة 1920 يتوقّف على مدى نجاحها في خلق بيئة تعايش مسيحي إسلامي فقط، بل على مدى قدرتها على خلق وطن ودولة للأجيال اللبنانية الجديدة والمتعاقِبة. فشباب لبنان وشابّاته يرفضون أن يَنحصر تفكيرُهم بالبحث عن الهوية والدستور والقومية والأمة وسوريا وإسرائيل والتكفيريين والجهاديين والسلاح. هذا لبنانُ الجهالةِ والجدلِ البيزنطي لا لبنانُ العلم والفكر والتكنولوجيا. شباب لبنان وشابّاته لديهم طموحٌ أبعد من هذه المواضيع البالية. إن طموح شباب لبنان هو حدودُ لبنان وصيغتُه.
مفهوم الوطن
الخطر الذي يتهدَّد لبنان الكبير هو الاختلاف العميق المستجد على مفهوم الوطن. فالكيان اللبناني تأسس وفقَ مفهومِ الدولة ـ الوطن الذي كان رائجاً في أوروبا، وخصوصاً في فرنسا، في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين. ولما شكّكت مجموعاتٌ لبنانية بالدولة ـ الوطن، طرحت الوطن ـ الدولة أي دولةِ الأمة السورية أو الأمة العربية الإسلامية. لكن ما يَتهدد لبنان اليوم هو بروزُ مفهومِ الدولة ـ المذهب التي لا تخالف مبرِّرَ وجودِ لبنان التعددي فحسب، بل تَنقل حركةَ التغيير من المسارِ التقدّمي إلى مسارٍ رجعي وتطرح نموذجَ التقسيم الهمجي بدل الوِحدة النموذجية.
لذا، كان يفترض لتأمين نجاحِ مشروع لبنان الكبير أن ينخفضَ الشعورُ الطائفي تدريجياً وينموَ الشعورُ الوطني تصاعدياً، فحصل العكس. إن مشكلةَ لبنان أن المجتمعَ الطائفي أقوى من المجتمع المدني، والمجتمعَ العائلي أقوى من المجتمعِ الحزبي، والمجتمعَ التقليدي أقوى من المجتمع التقدّمي، والمجتمعَ العقائدي أقوى من المجتمع الحقوقي، والمجتمعَ المناطقي أقوى من المجتمع الوطني. وكل هذه المعادلات جراثيمُ قاتلة لأي كيان. والخطأ الكبير هو أن اللبنانيين وحّدوا لبنان من دون أن يتوحّدوا، ويتوَّهمون اليوم أنهم قادرون على اقتسامِ لبنان من دون أن يقسّموه. إن للوحدة ثمناً وللتقسيم ثمناً. لقد دفع اللبنانيون ثمن الوحدة غالياً، أفَيُريدون أن يدفعوا ثمنَ التقسيم أيضاً؟ نحن جماعة دفعت ثمن الوحدة… والحرية.