ما لخّصته يمكن المجازفة ببسطه على النحو التالي:
أولاً، عالم اليوم، هو عالم يبدو كما لو أنّه عالم واحد، وهذا لأوّل مرة في التاريخ بهذا الشكل، وبهذا المدى. ومع ذلك، لا شرطيّ له حين يتعطّل سبيل اتخاذ القرارات على طاولة مجلس الأمن، ما يؤدي كما في الحالة السورية، إلى استخدام سلاح دمار شامل ومن ثمّ اصطناع تسوية منافقة تحاسب الطاغية، ليس على استخدامه السلاح، وإنما على احتمالات تعاونه أو عدم تعاونه في الفترة المقبلة مع الآلية الموكلة تدويل ترسانته الكيماوية.
ثانياً، إنّ الولايات المتحدة تدرك جيّداً أنّ احتفاءها بدورها القيادي بلا منازع في عالم ما بعد انتهاء الحرب الباردة، قد قادها إلى ممارسة دور الشرطي، لكن هذا الدور عاد وشكّل عاملاً سلبياً بالنسبة إلى هناء أميركا على صعيد دورها القيادي العالمي.
بالتالي، ما تقوله سامنتا باور هو أنه ليست شغلة الولايات المتحدة أن تحل مكان الأمم المتحدة وليس بمقدورها ذلك. لكن ذلك يترافق مع إقرار ضمني بأن الأمم المتحدة اليوم ليس بمقدورها أن تواكب المسألة السورية بقرارات فاعلة كما قاربت غيرها من مسائل، وأنه بشكل عام هناك موقف روسي عام من ديكتاتوريات العالم الثالث سيشكل مرتعاً لها فتحتمي به.
وهذا يفتح على مشكلة أكثر شمولية: الولايات المتحدة ربحت الحرب الباردة. ربحتها بالشكل الكافي لعدم نشوبها ثانية بالشكل الواسع النطاق الذي خبرناه. لكن الولايات المتحدة لم تربح الحرب الباردة كما لو كانت الأخيرة حرباً ساخنة، بل فقط لأن الشيوعية انهارت من داخلها، والأدهى أنّ روسيا بالتحديد التي لفظت عنها هذا الثوب، عادت واعتبرت أنّ في التنكّر للماضي السوفياتي هزيمة أمام أميركا، في الوقت نفسه الذي اعتبرت أن لا عودة أو استئناف لهذا الماضي.
بالتالي، انوجدنا في وضعية عويصة وجديدة: فروسيا الحالية تنتابها مشاعر تشبه تلك التي راجت في ألمانيا العشرينات وبداية الثلاثينات ضد “الإملاء” والإذلال المفروضين عليها في قمة فرساي. لكن الفارق هنا، أنه فيما كانت ألمانيا أجبرت على ذلك في مؤتمر دولي نتيجة خسارتها لحرب عالمية ثانية، فإن الاحتقان الروسي لا يمكنه أن ينطلق من شيء مشابه.
هذا يخلق احتقاناً مقلقاً، بما يتجاوز المسألة السورية. الاحتقان سببه أن روسيا تعامل نفسها كما لو أن تفلتها من الزمن السوفياتي كان في الوقت نفسه خيارها الصميم هي، والخيار المفروض عليها غدراً من الخارج.
لكنها ليست حرباً باردة. أولاً لأن التزاحم هو الآن بين حربين أمنيتين، أميركية من جهة، وروسية من جهة ثانية، على ما تصنفه كل دولة “تنظيم قاعدة”. وثانياً، لأنّ الاستخفاف الروسي بسردية حقوق الانسان والديموقراطية يحمي مقولة سامنتا باور حول أن أميركا ليست ولا بمقدورها أن تكون شرطي العالم.
مع ذلك، فإنّ عالماً كهذا، الضمانات فيه للسلم العالمي أقل بكثير من تلك التي كانت متوافرة أيام الحرب الباردة، بل إن هذا المجتمع الدولي صار يبعث على القلق أكثر من ذي قبل بعد التسوية الروسية ـ الأميركية الرئيسية حول الكيماوي غير المستخدم، في مقابل إغفال الكيماوي المستخدم.
من جهة، أميركا حسبت نفسهاً منتصرة في حرب ساخنة عالمية في نهاية القرن الماضي وليس فقط في حرب باردة عالمية، وأسست لهيمنتها على هذا الأساس، فكان ذلك مضنياً لها هي بالدرجة الأولى. ومن جهة ثانية، لأن النظام الدولي المقام في مؤتمر يالطا ما زال رسمياً هو نفسه القائم حالياً، ويعطي لروسيا مكانة لم تعد لها واقعياً مع سقوط الاتحاد السوفياتي، لكنها مكانة، ولأجل ذلك تحديداً، يجري الاستنفار لاسترجاعها، بشكل يتخذ من نقضه للأيديولوجيا السابقة، الشيوعية، مدخلاً لنقض كل ما هو خطاب من أجل الحرية وحقوق الإنسان والديموقراطية على أنه محض أيديولوجيا ودعاية ليس إلا، وبما من شأنه أن يؤدي من ثمّ إلى ترهّل غير مسبوق في بنية النظام الدولي.