كانت الممانعة نكتة سمجة، فصارت مزحة غبية وبلهاء: أقنعت العرب في مرحلة بأن النظام الاسدي يريد مقاتلة اسرائيل لاستعادة الجولان، بينما كان يتسلح ليؤكد سطوته على شعبه ويكرس تسليم الجولان. وفي المرحلة الراهنة، يريد، وحلفاءه، ان يقنع الآخرين بانه سيسلم السلاح الكيميائي ليواجه “الشيطان الاكبر وربيبته اسرائيل” حسب “رؤيا” الشيخ نعيم، نائب الأمين العام.
لم يلحظ الممانعون أن الضغط الروسي لمصادرة الكيميائي لم يكن لإنقاذ النظام، بل لحماية اسرائيل من احتمال أن تستخدمه المعارضة السورية ضدها، كما أوضح بوتين لنظيره أوباما في “نيويورك تايمز”. فإسرائيل لم يكن يقلقها النظام، ولو تسلح بالكيميائي، لكن قلقها يدفعه إلى تسجيل تراجع لم يسجل مثله منذ نحو 3 أعوام، هي عمر الثورة على نظامه.
البند الثاني، الى عري الممانعة، في محصلة التطورات الدولية للأزمة السورية، ان النظام سيضطر إلى قبول دخول قوات دولية أممية لحراسة المواقع الكيميائية، التي لا يقل عددها عن 45، بحسب اعترافاته، مما يستجر مراقبة دولية لصيقة للأحداث اليومية، وحضورا لاحقاً لمنظمات انسانية، لن تتفرج على جرائمه الأخرى التي لا تقل فظاعة، كالبراميل المتفجرة.
البند الثالث، سقوط نكتة اخرى هي مقولة “المجتمع الدولي”، وانكشاف انها كانت تواري، بلا نجاح، استكمال روسيا الانقلاب على التفرد الاميركي بمصائر الدول، منذ سقوط جدار برلين عام 1989، وسعيها إلى أن تكون شريكا استراتيجيا لواشنطن وحلفائها، في إدارة الشأن العالمي.
البند الرابع، ان لا مانع لدى كل قوى العالم ان يسقط هذا النظام أو ذاك، وينحر شعب بكامله او بعضه، شرط الا يتهدد امن اسرائيل، تستوي في ذلك موسكو وبكين، وواشنطن ولندن وباريس، وبرلين.
البند الخامس، أن موسكو التي تخلت عن سلوبودان ميلوسيفيتش يوم أمنت استمرار مصالحها في صربيا مع البديل فوييسلاف كوستونيتشا، لن تخلّد الأسد إلى الأبد، ولو أوصاه والده بذلك. فما يهم الكرملين هو أن يكون له وزن في اختيار البديل، وما الكيميائي إلا موطئ ثقل، وامتحان لاستراتيجية العودة إلى مسرح القرار الدولي.
البند السادس، إن الأزمة السورية “تمرينة” للثنائي الدولي العائد، الذي لم يتأخر في فتح الملف الأساسي الأهم استراتيجيا، بالنسبة الى قطبيه، وهو الملف الإيراني، وهذا ما فهمه الرئيس روحاني، فدعا بوتين إلى الاهتمام بحلّ له، وما فطن له أوباما فراسل الأول على أساسه، وما وعته الرياض فدعت الرئيس الايراني الجديد إلى أداء مناسك الحج المقبلة مع الشهر الجديد.
إلا أن الثابت الأكبر في كل ذلك، يبقى بسالة الشعب السوري وإرادته الحاسمة.
مجد الحرية أعطي له.