سوريا اختبار “لا سابق له” لمعاهدة حظر الأسلحة الكيميائية
ثغرات عدة يمكن الأسد النفاذ منها للاحتفاظ بغازات سامة
لا يكفي انضمام سوريا الى معاهدة حظر الاسلحة الكيميائية لضمان تخلي النظام السوري عن أسلحته الكيميائية، فثمة ثغرات عدة يمكنه النفاذ منها للاحتفاظ ببعض الغازات القاتلة.
قبل عشر سنين، فاجأ الزعيم الليبي الراحل العقيد معمر القذافي المشككين في نيته التخلي عن أسلحته الكيميائية. بسرعة، وقع المعاهدة الدولية وبنى مصنعاً لتدمير الاسلحة وسمح للمفتشين بالإشراف على تدمير أطنان من غاز الخردل. كافأ الغرب القذافي ورفع عنه عزلته، ليعود ملك ملوك أفريقيا يسرح ويمرح على المنابر الدولية، قبل أن يكتشف العالم بعد اطاحته من الحكم عام 2011، أنه كان يكدس في عمق التلال الصحراوية فى جنوب شرق ليبيا، مئات من الرؤوس المحملة بغاز كبريت الخردل المميت، والتي كانت جاهزة للاستخدام.
وقبله، كان على الرئيس العراقي الراحل صدام حسين الذي خرج مهزوماً من حرب الخليج عام 1991، أن يثبت تخليه عن أسلحته الكيميائية، فدفع عراقيين بالكاد يضعون أقنعة واقية لافراغ مواد كيميائية في خنادق واضرام النار فيها. وعلى مرحلتين، الاولى بين 1991 و1997، والثانية بين 2002 و2003، أرسلت الامم المتحدة بعثتين للتدقيق في برامج التسلح العراقية، الا أن ذلك لم يمنع أميركا من غزو البلاد ويعود ذلك جزئيا الى فرضية أن العراق لا يزال يحتفظ بأسلحة دمار شامل.
تعود تجربتا العراق وليبيا بقوة الى الواجهة منذ القرار المفاجئ الذي اتخذه الرئيس السوري بشار الاسد بضغط روسي، بالموافقة على التخلي عن ترسانته الكيميائية، بعدما كان امتنع قبل ذلك بأيام عن الاعتراف بامتلاك بلاده مثل هذه الاسلحة.
ووقت يسعى ديبلوماسيون الى رسم “خريطة طريق” لتحديد مواقع ما يقدر بألف طن من المواد الكيميائية ومراقبتها وتدميرها، يرى خبراء في مراقبة التسلح أن التجربتين العراقية والليبية يمكن أن تكونا توجيهيتين، بسيئاتهما وايجابياتهما، الا أن ثمة من يذهب الى القول إن تفكيك الترسانة الكيميائية السورية قد يكون تحديا فريداً، خصوصاً لان المفتشين سيرسلون الى قلب منطقة نزاع.
فمع أن منظمة حظر الاسلحة الكيميائية المسؤولة عن الاشراف عن تطبيق المعاهدة تقدر أنه تم تدمير 57,740 طنا من المواد الكيميائية، أي 81,1 في المئة من المخزون العالمي المعلن عنه من هذه الاسلحة، منذ دخول المعاهدة حيز التنفيذ عام 1997، يقول داريل كيمبال، مدير منظمة مراقبة الاسلحة، وهي منظمة غير ربحية مقرها واشنطن، إنه “لم تكن هناك قط تجربة كهذه… معاهدة حظر الاسلحة أنشئت للتعامل مع نوع آخر من الظروف. هي مخصصة للتعامل مع بلد مستعد للتخلي عن ترسانته الكيميائية طوعا لا تحت الاكراه، وفي بلد حيث ليست ثمة فرصة حقيقية لاستخدام هذه الاسلحة مرة أخرى، وبلد مستقر ما يكفي لتدمير الاسلحة بسلام”.
ولكن ليس أي من هذه الظروف متوافرا في سوريا.فالنظام السوري لم يعترف الا أخيراً بأنه يمتلك أسلحة كيميائية، ولم تكن لديه أية نية للتخلي عن ترسانته الى أن واجه تهديدا بضربة عسكرية. هذا اضافة الى الحرب الدامية المستمرة في البلاد.
ثغرات
ويحدد الاتفاق الذي اعلنه السبت وزيرا الخارجية الاميركي جون كيري والروسي سيرغي لافروف في جنيف جداول زمنية تمهل دمشق أسبوعاً لتقديم لائحة باسلحتها الكيميائية، على ان تتلف هذه الاسلحة بحلول نهاية الفصل الاول من 2014.
لا شك في أن الالية التي تنص عليها معاهدة حظر الاسلحة الكيميائية هي خيار أفضل بكثير من محاولة استخدام القوة لتجريد النظام السوري من أسلحته الكيميائية، الا أن سوريا تشكل “اختباراً لا سابق له لهذه المعاهدة”.
لكن خبراء يتحدثون عن ثغرات عدة يمكن نظام الاسد التحايل عليها من أجل الاحتفاظ باسلحته، مشيرين خصوصاً الى أن المعاهدة لا تحدد أية قواعد لطريقة ضمان أمن مواقع الاسلحة الكيميائية الى حين تدمير الاسلحة، ولا تنص على نشر حراس أو كاميرات أو كاشفات للحركة في المواقع أو المنشآت، ولا على اقامة جدران حولها. واستناداً الى المعاهدة، على دمشق اتخاذ الاجراءات “التي تراها مناسبة لضمان أمن مرافق التخزين”.
وقالت فايزة باتل، وهي مسؤولة سابقة في منظمة حظر الاسلحة الكيميائية تعمل حالياً في برنامج الامن القومي والحرية في مركز برينان بنيويورك لـ”فورين بوليسي”: “عادة يجرّد المفتشون منشأة، يقفلونها ويرحلون ثم يعودون كل ستة أشهر أو سنة لاجراء تدقيق دوري… المفتشون ليسوا هناك دوماً بحيث أن الالية تنجح إذا لم يتلاعب البلد بالاختام. أما اذا أراد الدخول مجدداً غير عابئ بما يقول المحققون عندما يعودون، فلا شيء في الواقع يمنعه من ذلك”.
وليست المنظمة الدولية عاجزة تماماً. فهي الوحيدة المخولة تقدير حجم فريق المفتشين وتركيبته، ويمكنها تسمية مفتشين أميركيين اذا ارتأت ذلك. وإذا امتنع الاسد عن السماح لهم بالوصول الى بعض المنشآت، يمكن المنظمة اللجوء الى ما يسمى “التفتيش بالتحدي”، وهي إنذار يحيل النزاع على مجلس الامن
للتدخل.
ولم يسبق للمنظمة أن قامت بمثل هذه الخطوة. وإذا حصل أن فعلت ذلك مع النظام السوري، فالارجح أن الاسد سيفلت من العقاب لان الصين وموسكو ستسقطان بالفيتو أي جهد جديد للسماح باستخدام القوة ضده.
فمع أن الاتفاق الاميركي -الروسي ينص على انه إذا لم تف السلطات السورية بالتزاماتها يصدر قرار من الامم المتحدة يسمح باللجوء الى القوة ضد النظام السوري، يكتنف الغموض هذه النقطة.
الى ذلك، تكشف المهمة المضنية التي قامت بها الامم المتحدة لازالة الاسلحة الكيميائية والبيولوجية العراقية في التسعينات الى اي مدى يمكن ان تمتد عملية تدمير الاسلحة الكيميائية السورية، مع العلم أن الاتفاق الروسي – الاميركي ينص على وجوب انتهائها بحلول نهاية الفصل الاول من السنة المقبلة.
وقال بريان فينلاي من مجموعة الرأي “ستيمسون سنتر”: “ليس مستبعداً أن يتبع الاسد لعبة صدام حسين في التسعينات من القرن الماضي،بمنعه المفتشين من دخول المنشآت، وجعلهم يلفون ويدورون في طول البلاد وعرضها مطاردين ذيولهم، كطريقة لكسب الوقت”.
وأضاف: “كلما مر وقت، تبددت أكثر صدمة الهجوم الكيميائي وتراجع الزخم للضربة العسكرية”.
الى ذلك، يتمتع الاسد بميزات تفاضلية أخرى، إذ يمكن مفتشي المنظمة الدولية التدقيق في المواقع التي يعرفونها. ويمكن الاسد أن يقوّض عملهم بامتناعه عن كشف كل منشآت التخزين والانتاج، وتحديداً الصغيرة والمتحركة منها. ويعتقد خبراء أيضاً أن امتلاكه مثل هذا المخزون الواسع من الاسلحة الكيميائية المقدرة بألف طن، يتيح له اخفاء كميات صغيرة منها من غير أن يضبط.
يقول الصحافي الاميركي يوشي دريزن إن الولايات المتحدة وحلفاءها يعتمدون على النية الطيبة والتعاون التام لرئيس يريدون رؤيته خارج السلطة!.