#adsense

آخر ابتكارات “حزب الله”.. “غرف تحقيق” متنقلة

حجم الخط

 

يسير ببطء شديد باحثاً عن فرائس له، ينتقيهم بحرص شديد بحسب التعليمات التي تلقّاها، من الجنوب أو البقاع أو بيروت لا هم، فالمهم هو استدراجهم في الأحاديث إلى حيث يجب، وبمجرد أن يعبر أول حاجز للأمن الذاتي حتّى يبدأ بتوجيه السباب للعناصر الحزبية بصوت تعجز الآذان في الخارج عن سماع أي من العبارات التي يطلقها السائق من وقت إلى آخر.

آخر بدع أو ابتكارات “حزب الله”، مكاتب استخبارات متنقّلة يمكن أن تتحول في الوقت ذاته إلى غرف للتحقيقات، تجول شوارع الضاحية وأطرافها ذهاباً وإياباً بشكل يومي من السادسة صباحاً لغاية العاشرة ليلاً، مهمتها الإيقاع بمعارضي سياسة الحزب، أو سحب معلومات يُمكن أن تضر به، وذلك من خلال فتح أحاديث جانبية مع الركاب توصلهم في نهاية الطريق إلى معرفة أسمائهم وعناوينهم السكنية وحتّى أرقام هواتفهم.

أهلاً بك على متن أحد “الفانات” التي تحمل الرقم 4 أو غرفة التحقيقات كما يطلق عليه معظم سكان الضاحية الجنوبية في هذه الأيام، يتأهل بك السائق منذ صعودك وكأن هناك معرفة تعود لسنين طويلة لينتقل بعدها إلى الحديث معك حول غلاء المعيشة والحياة الصعبة التي يعيشها اللبنانيون ويغمز إلى البعض من أبناء الطائفة الشيعية المستقلين الذين لا ينتمون لأي جهة سياسية أو حزبية وكأنه واحد منهم. لا فرق إن شاركته الحديث أو بقيت صامتاً فالمهم في هذه اللحظة ضربه على الوتر المعيشي والتجاوزات المتعددة التي يرتكبها عناصر من “حزب الله” بحق الأهالي في المناطق الشيعية والويل لمن يخونه لسانه ولا يُسعفه تفكيره تجنّب الوقوع في فخ السائق.

حسين أرزوني، ابن حي السُلّم وأحد ضحايا غرف التحقيق هذه والذي وقع في شرك نُصب له على يد السائق وعدد من الشبان الذين كانوا يرافقونه على متن الرحلة التي كانت تقلّه من منطقة الحمرا إلى حيث يسكن في الضاحية، “رحلة عذاب دامت لأكثر من خمس ساعات أمضيتها متنقلاً من مكان إلى آخر داخل “الفان” شعرت في حينها أن النهاية لن تكون أقل من وضعي داخل مستوعب “سوكلين” مقتولاً. ويُخبر أن القصّة بدأت “حين صعدت كعادتي داخل أحد “الفانات” والذي يحمل الرقم 4 أثناء عودتي من عملي يوم الجمعة الفائت ليبدأ السائق ومن معه من شبان (علمت لاحقاً أنهم عناصر من أمن “حزب الله”) بالتطرّق إلى موضوع الحواجز الأمنية التي يُقيمها الحزب في الضاحية وما يُنتج عنها من مشاكل متعددة سواء الاجتماعية أو الأمنية وأيضاً الارتكابات الخاطئة بحق السكان”.

كُثر هم الذين صعدوا إلى “الفان” ونزلوا منه قبل أن يُصبح على مقربة من أول حاجز تفتيش للحزب عند أوتوستراد هادي نصر الله بحسب حسين الذي يُخبر أن السائق توجه في لحظتها الى جميع الركّاب بالقول: “إذا حدا معو شي ممنوعات أو شي سلاح مش مرخص ينزل هون لأنهم ولاد حرام ما بيرحموا”. ليُكمل بعدها سيره بعدما أجابه من في “الفان” بالنفي وقد لاحظ حسين أن عناصر الحاجز لم تعترض طريق السائق ولو بسؤال واحد بل أكمل طريقه وكأن الحاجز غير موجود في الأصل لكن الخطأ الذي وقع فيه هذا الراكب كان لحظة دخوله على جانب حديث كان يجري بين السائق وأحد الركاب بدءًا من تورّط الحزب في الحرب السورية وانعكاساتها السلبية على الطائفة الشيعية بشكل عام وصولاً إلى الإذلال الذي يشهده سكان الضاحية عند الحواجز التي أقامها “حزب الله” والتي ارتفعت خلال أقل من أسبوع واحد من ثلاثين أو أربعين إلى سبعين حاجزاً.

ولحسين وجهة نظر سياسية تقول إن “حزب الله” لن يستطيع أن يُكمل في الطريق ذاته الذي يسير عليه اليوم وإلا فالنتائج ستكون وخيمة على عناصره وقياداته بالدرجة الأولى”. هذه النظرية لم يستطع الاحتفاظ بها لنفسه بل أصرّ على أن يُفصح عنها أثناء النقاش، وبما أن الحديث قد تشعّب ومعه بدأ حسين يُخرج ما في جعبته من ملاحظات تطال الحزب وجماعاته في العمق، فقد عمد السائق إلى الانحراف بطريقه سالكاً طريقاً آخر باتجاه منطقة صحراء الشويفات ليركن بعدها داخل موقف صغير لتصليح السيارات عندها شعر حسين أنه وقع في المصيدة وذلك مع أول رفسة تلقاها على وجهه من شاب كان يجلس في المقعد المجاور له وليُصار إلى التحقيق معه لفترة تجاوزت الخمس ساعات متنقلاً فيها السائق بين مكان وآخر”.

“سألوني عن علاقتي بـ”الجيش السوري الحر” و”جبهة النصرة” وما إذا كانت تربطني علاقة بالشيخ صبحي الطفيلي، كل هذا والضربات واللكمات تنهال عليّ بين السؤال والآخر”. أسئلة وصرخات يقول حسين كانت تتخللها أحاديث متقطّعة عبر الأجهزة اللاسلكية بين الشبان وقيادتهم وقد سمع اسم “ثائر” يتردد أكثر من مرّة الأمر الذي أوحى له أن هذا الشخص هو المسؤول المباشر عن عملية خطفه وأن مصيره مرتبط فقط بكلمة منه. “أقسمت لهم بالله والنبي أنني بريء من كل هذه الاتهامات وعندما أقسمت لهم بالإمام وصفوني بالكافر وأنه سوف يُنفّذ بي حكم الإعدام حالما تصدر الأوامر وفي هذه اللحظة عاد صوت “ثائر” ليُسمع من جديد عبر الأجهزة “خلّوه يعبّي استمارة وإذا عادها مرّة تانية قتلوه”.

لم يكن حسين الوحيد الذي تعرّض لهذا الاعتداء، فكُثر هم من أبناء الضاحية الجنوبية الذين تعرّضوا لاعتداءات مماثلة لكنهم لم يُبلّغوا عنها خشية ملاحقتهم وعائلاتهم على يد عناصر “حزب الله” والسيدة منى خاتون التي بصق أحد عناصر الحزب على وجهها داخل احد “الفانات” بعدما عبّرت عن رأيها بالأمن الذاتي، خير شاهد على أن في الضاحية هناك من يعضّون على جروحهم ويلتزمون الصمت خوفاً على أنفسهم أو على عائلاتهم.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل