#adsense

الردّ على انتصارية الممانعين الجوفاء يكون بالمكاشفة الواقعية

حجم الخط

 

يمكن، على الدوام، انتقاد الانتصارية الجوفاء للممانعين. فهم، أدبروا أو أحجموا، “منتصرين”. انتصاريتهم غير مشروطة بميزان. صك هزيمة غير مكتملة هو عندهم انتصار إلهيّ. قتل عشرات الألوف من السوريين هو عندهم فوز عظيم على الإمبريالية.

ولما كان خطاب الممانعة يتفرّع عن التفسير التآمري للتاريخ، ويواجه مؤامرة مستمرة بأشكال مختلفة، وجب بالنسبة لهذا الخطاب أن تكون الهزيمة مستحيلة، والانتصار متواصل في الزمان والمكان بأشكال ونكهات مختلفة. مهمة المثقف الممانع تكمن هنا: عليه أن يعثر في كل لحظة على وجه الانتصار المناسب لهذه اللحظة، حتى لو كان في برميل الزبالة.

في المقابل، لم يعد جائزاً السكوت عن المكابرة على الخيبات في صفوف أخصام الممانعين، الذين راجت تسميتهم بالليبراليين في السنوات الأخيرة.

فالكثير من هؤلاء ما زال يكابر على المحنة الشديدة التي يجتازها ربيع الشعوب العربية منذ أكثر من عام، سواء من ناحية الفشل في توطيد الاستقلالية السياسية الفعالة للخط الليبرالي، بالنسبة إلى ثنائية العسكر والإسلاميين، أو بالنسبة إلى المحاور الإقليمية، أو من ناحية العجز عن إدراك طبيعة الأزمة العالمية التي تعيشها التوليفة الديموقراطية الليبرالية بشكل عام، والتوسع الديموقراطي الليبرالي باتجاه الشرق بشكل مركز.

وفي الآونة الأخيرة، فإن ضعف التقليد النقديّ المكاشف والصريح في معشر الليبراليين العرب قادهم للتهليل إما لأحداث وقعت وسمّوها بغير أسمائها فتعاملوا مع سقوط التجربة الانتخابية المصرية بأفق فئوي عاطفي ضيّق، وإما لأحداث لم تقع، فاستبدلوها برغباتهم وأهوائهم.

سواء في المسألة المصرية، أو في المسألة السورية، هناك خطاب ليبرالي عربي لم يعِ بعد أن الواقع ازداد تعقيداً هذه السنة، بشكل لم يعد يحتمل مقابله نزعة انتصارية أو تهليلية جوفاء بأخرى محاكية في الشكل ولو كانت مغايرة في المقصد أو الموقع.
في العام الثالث على الربيع العربي تسارعت الأحداث المصرية وصولاً إلى مصاب ساحة رابعة العدوية، من دون أن يتحلّى الليبراليون العرب بأي مقاربة تميّزهم، أو تشيد بأهليتهم في صناعة المعنى التحرري والتنويري لهذا الربيع – الوعد.

ثم كانت الهجمة الكيماوية الأسدية على الغوطتين. وهذا منعطف أساسي ليس في المسألة السورية، بل إنها تطرح نفسها كذلك على مستوى الكتلة العربية ككل. هنا ينبغي الإقرار بحقائق نحب تجاهلها: أولها أن مثل هذه المجزرة لم تؤد، بعد، إلى الصدمة العربية على مستوى الرأي العام. بالعكس تماماً، لم ينتظر الكثير من الطليعيين العلمانيين المزعومين سوى التلويحات الأوبامية بشنّ ضربة عقابية كي يجعلوها مناسبة للتعبير العاصف عن تأييدهم لبشار الأسد. اعتبر بعضهم أن مقياس عدائه للامبريالية لا يستقيم إن كان النظام الذي يواجهها غير دموي مع شعبه، وإنما بالذات عندما يكون النظام دموياً للغاية، وكيماوياً بامتياز، ثم تستوجب الفروسية القومية والحضارية والأممية دعمه “رغم كل شيء”.

وسط كل هذا، لا يسع الليبراليون العرب سوى الدفع باتجاه الإقرار بالخيبة. ذلك أن انتصارية الممانعين تافهة، لكن ما يقابلها ينبغي أن ينطلق من الإقرار بالخيبات، وليس البحث عن انتصارية أخرى.

كذلك على الصعيد الدولي، فالدعسة الناقصة لباراك أوباما لا يمكن قراءتها دهاء مبتكراً، بل هي خيبة، وقد سهل للروس تجييرها لحسابهم.

يبقى أن الفارق بين الإدارة الأميركية وبين الليبراليين العرب، أن هذه الإدارة تستطيع من ثم أن تحوّل خيباتها إلى لحظات استعادة المبادرة، في حين أن الليبراليين والربيعيين العرب ليسوا اليوم بهذه الحرية في الحركة، ولا حرية الفعل. وحدها الممارسة النقدية الصادقة يمكنها أن تعيد إليهم سؤال الواقع، الواقع الذي لا يشي بأن الاستبداد الشرقي في أفول، لكنه لا يشي أبداً بأنه يستطيع أن يفرض أياً من معادلاته إقليمياً أو عالمياً، بل سيظل يولّد المزيد والمزيد من التوترات.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل