#adsense

المقاومة.. قبل ولادة “حزب الله” (1 – 2)

حجم الخط

المقاومة.. قبل ولادة “حزب الله” (1 – 2)

عمليات بطولية واحتضان شعبي.. من دون عراضات عسكرية

ربما بكى أو كان على وشك البكاء، كان هدير البحر في استراحة صيدا يطغى على صوته المتهدج وهو يخبرنا حكايا عن زمن جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية، عن العمليات الصعبة والأراضي الوعرة، عن السلاح المهرّب، والبحث عن الطعام بين أشجار الدفلى، عن أهالي الجنوب الطيبين في القرى المسيحية والسنية والدرزية والشيعية، الذين ساعدوا مقاوماً وحموا آخر. يومها كان المقاومون لا يمشون في عراضات عسكرية في الشوارع العريضة في الضاحية الجنوبية، ولا يستعرضون أسلحتهم وفائض قوتهم، يومها كانت هناك أسرار، ولم يكن رداء المقاومة أصفر، كانت الدماء ترسم طريقاً من أجل الحرية ومن أجل التغيير الديموقراطي، وليس من أجل أي وعد آخر.

كان المقاومون من كل الطوائف، مسيحيين وسنّة وشيعة ودروزاً، ولم يكونوا بحاجة الى “التشيّع” من أجل أخذ حق “المقاومة” من حزب ولاية الفقيه أو سرايا المقاومة.

مالك قلوط، أو جورج الشمالي كما يعرفه الكثيرون، فلسطينيون ولبنانيون، من الجبهة الشعبية التي انتسب إليها عام 1968 الى الحزب الشيوعي اللبناني الذي عمل في صفوفه خلال التسعينيات، حكايات عن تلك التجربة التي أطفئت أضواؤها وطويت صفحتها، لكنها بقيت في الذاكرة ومن الصعب أن تمحى وإن طرح مليون مشروع هلال خصيب في المنطقة فالتاريخ قائم وإن جرت أحياناً محاولات لتزوير وقائعه.

يروي مالك أنه في العام 1977، بعد أن احتل سعد حداد ثكنة مرجعيون وتلة العزية وبعض المواقع الأخرى في رميش وإبل والقليعة، خضنا تجربة صغيرة، ليست بحجم تجربة “جبهة المقاومة”، أطلقنا عليها حينها “جبهة المقاومة الشعبية”، حينها قمنا بعمليات صغيرة انتهت سريعاً لأن من أطلقها “الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين جناح جورج حبش” ولأن قرار الحرب والسلم كان بيد حركة “فتح” آنذاك، فقد كان يتم التصدي لمجموعات المقاتلين الذين كانوا يتوجهون الى المنطقة الحدودية وقد تراجعت هذه العمليات الى أن توقفت نهائياً”.

جاء الاجتياح الإسرائيلي في العام 1982، ليعيد الى الواجهة مشروع مقاومة جديداً، عندما أعلن الأمين العام للحزب الشيوعي اللبناني والأمين العام لمنظمة العمل الشيوعي في 16 أيلول انطلاقة الجبهة ومن خلف الستار لعب حبش دوراً غير منظور بحسب قول مالك وهو ابن بلدة الخيام الواقعة تحت الاحتلال.

كانت مهمة مالك تقضي بتنسيق أعمال جبهة المقاومة مع الحزب الشيوعي، وكان على علاقة مباشرة بـ”أبو أنيس” (الشهيد جورج حاوي) وبداية بدأ العمل من البقاع مع فاروق دحروج وحسين قاسم الذي كان مسؤولاً عن جهاز الجبهة في الحزب، وكانت الجبهة الشعبية أنشأت جهازاً عسكرياً خاصاً بالجبهة مكوّناً من سرية، ويوضح “كانت عملياتنا تجري على تلة الصعلوك وغزة والمنصوري حيث اشتبكت إحدى مجموعاتنا مرة مدة ثماني ساعات مع قوات الاحتلال”، في وقت كانت العمليات الأخرى تجري بسرعة، إذ لا بد أيضاً أن تكون خاطفة.

حصلت حرب الجبل في العام 1983، وانتقل مالك من البقاع الى بحمدون، بمساعدة من الحزب “التقدمي الاشتراكي”، هناك حصل على هوية مزورة باسم “سمير أبو حمدان”، وبدأ التخطيط لعمليات تستهدف المواقع والدوريات الإسرائيلية في المنطقة، من أهم العمليات التي حصلت كانت ذلك الكمين الذي نصب لدورية إسرائيلية بالقرب من فيللا ملكة جمال الكون جورجينا رزق بين بعلشميه وعاليه، وهي عملية مشتركة شارك فيها شباب من الجبل ينتمون الى “الشيوعي” وجرى تدريبهم في كفرسلوان، وبحسب مالك فإن العملية المميزة كانت تلك التي استهدفت دورية إسرائيلية على طريق رأس المتن عاليه، “إلا أن الشباب وقعوا في حقل ألغام في طريق العودة واستشهد عدد منهم وتحوّلت العملية الى مأساة، وقد ساعدت عائلات من بصاليم من آل المصري وآخرون من بلدة رأس المتن من آل غرزالدين في سحب جثث الشهداء والجرحى”.

لا ينسى مالك وجه الشهيدة لولا عبود التي سقطت في عملية نفذتها مجموعة شهداء يحمر في نيسان 1985 عند مدخل القرعون، وجه الطفلة العاشقة، التي لم يخرج حبيبها من معتقل أنصار مع المفرج عنهم حينها وله ربما كتبت أبيات قصائدها، والتي تقول في أحدها “شعارنا واحد… الحياة والأرض لنا فلنحيا ونغني”. الموت من أجل الحياة، ربما كان هذا ما تبتغيه لولا الحزينة، التي لم تقل أي كلمة لمالك عندما رآها لآخر مرة في شتورا قبل وقت قصير من توجهها لتنفيذ العملية التي استشهدت خلالها ولم تقل كلمة واحدة عن عملها بل تعاطت بسرية مع مهمتها.

ينتقد مالك وجود أكثر من جهاز وفق المناطق في الحزب الشيوعي اللبناني آنذاك، ذلك برأيه أنه كان من الأفضل مركزة القرار، مشيراً الى وجود تنسيق على أعلى المستويات رغم ذلك، إذ كان للحزب فضل على الجبهة في فتح طريق من البقاع الى داخل فلسطين حيث أصبح بإمكان “مقاتلينا أن يتوجهوا بمساعدة من مقاومي الحزب الى النبي صفا في كفرمشكي وهي منطقة تقع في بيئة صخرية صعبة، حيث تم القيام بعمليات بعضها كان ناجحاً ورائعاً وبعضها فشل”.

ويقول بأسى “سقط أكثر من مئة شاب شهيداً، وحصلت عمليات كبيرة وقد عبرت هذا الطريق المجموعة التي قامت بالهجوم على إذاعة لحد والتي استشهد فيها الياس حرب وحسام حجازي وميشال صليبا واعتقل خلالها ناصر خرفان.

ويشير مالك الى حقيقة ما حصل في عملية اعتقال ناصر بعد إصابته والذي استطاع الانسحاب من بلدة الخيام، حيث دخل الى منزل عائلة من آل الزين، فطلب من ربة المنزل وهي امرأة من آل الباشا الطعام والشراب، فقامت و”لفّت” له ما تيسّر من الطعام وأعطته ماء وطلبت منه الرحيل، وقد خرج ناصر ووصل الى منزل قريب من بيت عباني وكانت بندقيته الـ “أم 16” ما تزال معه، ودخل الى البيت وكان جريئاً، إلا أن صاحب المنزل قاومه فكان أن تدخّل جيران هؤلاء وهم آل غريب وكانوا عملاء ونزعوا منه سلاحه وسلموه للعميل رياض العبدالله وإسرائيل.

وبأسى يمر مالك على ذكرى الشهيد قاسم باشا الذي استشهد في الثلج لدى عودته من عملية أبو قمحة. ويستذكر كذلك الشهيد “أبو فاعور” والعملية التي قادها عند بوابة المطلة حيث قامت المجموعة بمهاجمة رتل للإسرائيليين مؤلف من أكثر من أربعين آلية بين مجنزرات ودبابات وناقلات جند وتسانده طائرات الهليكوبتر، “لكن مقاتلي الجبهة فعلوا العجائب بهم”.

ومن العمليات المهمة أيضاً يذكر عملية “الركائز” التي كانت مراكز للفرنسيين سابقاً حيث “تم تدمير ملالة وقتل فيها 6 جنود اسرائيليين واستطاع المقاومان غالب حسان وأحمد فاعور النجاة فيما استشهد شابان آخران”.

حبل العمليات طويل والذكريات لا تتوقف. يتذكر مالك موقف الاهالي الرائع الحاضن للمقاومين، ويشير الى حادثة دخول دورية استطلاع الى المنطقة المحتلة و”الثلجة” التي قطعت الطرق، والتي دفعت المجموعة الى اللجوء الى قرية كفردنيس حيث بقي الشباب مختبئين عند عائلة الى ان تم “تقطيعهم” الى منطقة ثانية عند نهر الحاصباني.

اما حكاية غالب عندما فقد “فردة” حذائه في الطريق الوعرة ولم يعد يستطيع المشي ففريدة من نوعها، “اذ عمل وهو قائد المجموعة على ترك الشباب مختبئين بين اشجار الدفلى ومن بينهم ابراهيم وعلي كلش وذهب هو الى بلدة الخيام حيث دخل منزل شاب من آل “ابو حمزة” الذي عرفه وسأله ماذا تفعل يا غالب هنا، قال اريد حذاء، في هذا الوقت قامت والدة الشاب بلف “السندويشات” وأعطتهم لغالب مع الحذاء، وطلب غالب من الشاب أن يذهب بعد اربع ساعات ويخبر رياض العبدالله بأن هناك مجموعة جاءت ووضعت سلاحها في رأسه واخذت طعاماً وشراباً، وبالفعل طلعت الدوريات للبحث عن المجموعة، كنت انا انتظرهم في منطقة تدعى الخريبة فوق النهر واستطاعوا الوصول رغم كل شيء”.

ويروي أيضاً كيف نقل احمد سعد مجموعة للمقاومة بواسطة “البيك أب” الخاص به من الخيام الى ابل السقي ولم يبلغ عنهم الاسرائيليين.

واكثر من ذلك، يحكي مالك عن ذلك الفلاح ورفيقه في ابل السقي الذي وجد أفراد المجموعة وهي ترتاح في ارضه، فطلبوا منه الطعام فأعطاهم زوادته وكان المقاوم “ابو فاعور” قد تخوف من التبليغ عنهم فهدده، الا انه انسحب لاحقاً مع المجموعة وفي وقت لاحق، كانت المجموعة التي تمر من هناك تجد الطعام تحت شجيرات الدفلى بعضها قد خرب وآخر صالح للاكل.

ويروي أيضاً “اتخذت الجبهة قراراً بأسر العميل رياض العبدالله، تدربت المجموعة على العملية في منطقة قبرشمون بشامون، وذهبت المجموعة المؤلفة من علي عطية وابراهيم كلش وحسين جمعة نحو الخيام، وبما اني لا استطيع السير طويلا سبقوني، دخلنا الى البلدة ومعنا العدة الطبية كاملة، الا ان الاسرائيليين اعتقلوا الشباب عند حاجز الخردلي ولم اعرف بالامر الى ان اخبرتني منى عواضة بالامر، كان معي شاب آخر، عرف الاسرائيليون بوجودنا، وغريب ما حصل، ادخلني اناس الى منزلهم، وسألت انا عن البهارات لرشها حول البيت حتى لا تستطيع الكلاب كشف المكان الذي نختبئ فيه، اتذكر تلك المرأة التي قالت بحنان “انا بموت وما بخليهم ياخدوك”، المهم اشعنا خبراً في البلدة اننا هربنا الى بلدة الخريبة، وبالفعل، طوقت الخريبة ونزلت الملالات والمشاة للتفتيش الى ان تدبرنا الأمر وهربنا من الخيام”.

يعترف مالك “نعم عملاء لحد ساعدونا في الاستطلاع واستكشاف الطرق عندما كنا نطلب من احد بينهم موثوق ومجبر على ان يكون معهم وهم لم يكونوا ملتزمين”.

مرحلة الانحطاط في المقاومة، يؤرخها مالك بالعملية الفاشلة التي حصلت في العام 1987 في شهر تموز تحديداً، حينما جرت محاولة فاشلة لانزال قارب من الرميلة، فتم انزاله من منارة صيدا بمساعدة صياد سمك من آل رنو ويومها ذهبت المجموعة المؤلفة من اربعة شبان الى نهاريا واستشهد الجميع، وكنت معهم حتى وصلنا الى رأس البياضة، فأغرقت ريزيروار البنزين في البحر خفت ان يعود احد ويفشل المهمة، احيانا القرارات تكون قاسية وقد اكتشف الاسرائيليون الامر، وقد اخذت هذه العملية منا تدريبا استمر أشهراً”.

ويضيف “بدأ التراجع في عمل الجبهة، لاسيما بعد حرب المخيمات حيث اتضحت الصورة وأن الامور ستذهب الى نزع القرار السياسي للمقاومة من الاحزاب الوطنية والمقاومة الفلسطينية والنحي بها نحو المذهبية، وعبر عن هذا النهج النظام السوري بتشكيل “حزب الله” وتسليم القرار لاحقاً له بعد المعارك التي حصلت في اقليم التفاح مع “امل” والنهج السوري الجديد بعد تحالفه مع النظام الايراني”.

ويتابع “في تلك المرحلة كان من الصعب حصول عمليات ناجحة، اذ كان على المجموعات المقاومة ان تعتبر نفسها في حال مواجهة بدءاً من جسر سينيق وليس في منطقة محررة، بعد ان توقفت العمليات في البقاع وبعد ان ابلغ السوريون رسمياً “الشيوعي” بوقف العمليات من البقاع، لذلك فتحنا جبهة كفرفالوس حيث حصلت عمليات على طريق انان وصفارية، وكان الملاحظ ان القرار السياسي بدأ ينتزع رويداً رويداً، لاسيما وان المجموعات الاخيرة للمقاومة استشهدت على يد حركة “امل”، مع عودة الجيش السوري الى بيروت بعد معارك “امل” و”التقدمي” اتضحت معالم المرحلة، انا اعتقلت عند السوريين وابلغني علي حمود، وكان نائب غازي كنعان حينها “اذا اردت ان تقول لاحدهم صباح الخير عليك ابلاغي”.

ويوضح مالك “صار صعباً بعد ذلك انتقال المجموعات مع سلاحها، لذلك كان السلاح ينقل في البداية ثم ينتقل الشباب وكثيرون منهم اعتقل على حواجز الجيش السوري لايام وظهرت الخطة السورية في اشراك ايران بقرار المقاومة”.

“حصلت محاولات بعد تلك المرحلة لكنها فشلت” بحسب مالك، وهنا يستذكر كيف استشهد المقاوم اليكسي شحادة على ايدي عناصر حركة “امل” عند نهر الليطاني وبدأت الامكانات المادية تقل والسلاح المدفون لم يعد ينفع.

يؤكد مالك ان النظام السوري لم يدعم المقاومة سوى بالكلام فهو لم يقدم “خرطوشة”، لا بل على العكس كانت تأتينا مساعدات عسكرية من الخارج لا نستلم سوى ربعها.

يعترف مالك ان التطورات احبطته وكانت “المقاومة” مثل ولده فأخذوها غصباً عنه، يقول “بقيت حوالى السنة بعد ذلك “سكراناً” لا سيما بعد ان اصبح المقاومون محاصرين من اسرائيل و”امل” و”حزب الله” ولم يكن بالامكان مواجهة القرار السوري”.
ويأخذ على المقاومين احياناً انهم “لم يفكروا سوى بالمقاومة وليس بالمشروع ولم يسألوا للحظة لماذا لا تفتح جبهة الجولان مثلاً، ولماذا لا يزال هناك معتقلون منذ العام 1977 من مجموعات فلسطينية من الجبهة موجودين في السجون السورية حتى اليوم ولا يعرف مصيرهم”.

انتقل مالك الى الحزب “الشيوعي” في 1991 حتى 1998 لكن الصراعات والانقسامات جعلته في ما بعد يبتعد، ويتخلص من اصوليته الشيوعية.

اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري احدث تحولاً في حياة مالك، لاول مرة يراجع تجربته ويتخذ موقفاً ضد الجريمة السياسية بحق من يخالف الرأي وضد الاغتيال السياسي، مع انه كما يقول “انا عملت مع وديع حداد شاركت في عملية باب المندب في الهجوم على ناقلة النفط “الكورال سي” وشاركت ليلى خالد في عمليات خطف الطائرات وقد تبرأت منها عندما ايدت نظام بشار الاسد، انا كنت مع اتفاق اوسلو الذي نقل الصراع حول القضية الفلسطينية الى الداخل ونزع ورقة الفلسطينيين من يد النظام السوري”.

حالياً يعمل مالك كعضو ناشط في “تيار المستقبل” وهو امين سر منسقية حاصبيا مرجعيون. ويعبّر عن اقتناعه بخطاب “تيار المستقبل” المعتدل الوطني بوجه خطاب التطرف والاصولية ويتذكر بأسى رفاقه الذين عمل معهم لكنه يؤكد أنه لم يتخلَّ عن خيار “المقاومة” كثقافة وانه سيكون مقاوماً من جديد لو حصل الاحتلال لكنه الآن “مع المقاومة من اجل قيام الدولة وبناء الدولة والانفصال عن مشاريع الوصاية أياً كانت”.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل