مرَّة جديدة تُثبِتُ التجربة أن التفوُّقَ العسكري والإقتصادي لا يضمنان الفوز في السياسة، فالقوة المعنوية مدعومة بتجربةٍ غنية باستطاعتها أحياناً أن تعوِّضَ النقصَ وتتغلَّبَ على التفوُّق. وهذا ما برهنته الأزمةُ السورية حيثُ تمكَّنَت الديبلوماسيةُ الروسية من فرضِ روسيا شريكاً كاملاً للولايات المتحدة الأميركية في حلِّ الأزمةِ السورية وتالياً من إدخالها الى المعادلتين العربية والشرق أوسطية، بسبب التردد الفاضح في عمل الدبلوماسية الأميركية.
فبعد أن كانت الأُحادية الأميركية هي التي تتحكَّم بمصير المنطقة العربية في مقابل انكفاء الدور الروسي، قد تجدُ هذه المنطقةُ الحيوية من العالم نفسَها اليومَ محكومة بالعيش على وقع المصالح الستراتيجية والتجاذبات السياسية للقُطبَين العالميَّين في معادلة جديدة لم تعرفها منذ سقوط الإتحاد السوفياتي.
ذلك أنه في حال نجاحه وثباته في سوريا، سينتقل الدورُ الروسي الجديد الى مواجهة السياسة الأميركية في المنطقة عموماً على حساب الحلفاء العرب للولايات المتحدة. وعندها ستتغيَّر مسارات الأزمات العراقية والمصرية والفلسطينية وغيرها، وسيتعدَّل دور القوى الإقليمية وحدود تدخلها في شؤون الدول العربية…
فهل تنجح روسيا في تثتبيب دورها وشراكتها في رسم معالم الشرق الأوسط الجديد بفعل قوة دبلوماسيَّتِها، فتنغِّص على شيمون بيريز حلمَه وعلى هنري كيسنجر مخططاتِه، أم أن الرئيس الأميركي وفريق عمله في السياسة الخارجية سيستعيدان المبادرة في سوريا ويقطعان طريق الشراكة الكاملة أو الجزئية على روسيا في باقي ملفات المنطقة؟ هذا ما ستكشفه تطوُّرات الأزمة السورية المرشَّحة أن تطول على وقع لعبة الأمم.