مُلفتة حال «اليأس» من المجتمع الدولي التي تنتاب معظم المواطنين اللبنانيين والشعوب العربية، ما الذي أصاب هذه الشعوب التي غابت في صمت الكهوف كأنها غائبة عن الدنيا، هذا أمر لم نعهده في الشعوب العربية التي كانت تخرج تظاهراتها من أجل «ثوار أريتريا»، أو من أجل «خطبة عصماء» يطلقها الرئيس المصري جمال عبد الناصر ومن دون أن يفكروا حتى في حجم الضرر الذي سيقع على بلدانهم، كانوا يخرجون جحافل، ما الذي حدث لهذا العالم العربي الذي يعيبون عليه شاعريته وأنه يفكّر بعواطفه، ما الذي جعل منه متبلداً ومنذ زمن بعيد، وها هي مجزرة الغوطتين في ريف دمشق وتقرير المحققين الدوليين عنها وتأكيدهم استخدام غاز السارين ضد العُزّل الآمنين الذي ماتوا اختناقاً، ما الذي حدث لهذه الشعوب حتى أصابها الخرس، ومات إحساسها وغلبت عليها اللامبالاة بما يحدث للآخر «الجار العربي»؟!
قبل 32 عاماً عرفت بيروت تحديداً صمتاً مماثلاً، عندما تزامن حصار بيروت مع انطلاق كأس العالم لكرة القدم 1982 في إسبانيا. والذي شهد دخول دولتين عربيتين هما منتخبي الكويت والجزائر لكرة القدم، وبدأ حصار إسرائيل لبيروت وقصفها بعنف يوم 13 حزيران 1982 وهو نفس اليوم الذي لُعبت فيه أول مباراة في المونديال بين الأرجنتين وبلجيكا، ويعتقد كثر أن اختيار توقيت الاجتياح بالتزامن مع مونديال 1982 كان من ضمن ترتيبات الاجتياح.
انشغل العالم العربي وقتها بالإحداث المتسارعة في مونديال العام 1982، فالجزائر فازت على منتخب ألمانيا لكرة القدم 2-1 في 16 حزيران، وعلى تشيلي في 24 حزيران، وفهد الأحمد الصباح رئيس الإتحاد الكويتي لكرة القدم آنذاك، قام بتعطيل مباراة الكويت ومنتخب فرنسا لكرة القدم في 21 يونيو محتجا على هدف رابع سجلته فرنسا في شباك الكويت بعدما نزل إلى أرض الملعب لمدة سبع دقائق، واضطر الحكم الروسي ميروسلاف ستوبار لإلغاء الهدف، وقام الاتحاد الدولي لكرة القدم بتغريم الأمير فهد مبلغ 8000 جنيه استرليني بسبب تدخله، وإيقاف الحكم وعدم إسناد باقي مبارياته له.
وأفضل من روى الصدمة برد الفعل العربي الشعبي آنذاك الراحل الشهيد جورج حاوي إذ قال: «عندما يزداد القصف يزداد التحدي، ويخيل الآن أن العالم سيهتز إن بيروت تحترق، إن قذيفة قد دخلت ملجأ في برج البراجنة فقتلت 75 بريئاً أو أكثر، الآن العالم سيهتز، شوارع الجزائر ستنزل بها التظاهرات، فإذا بنا نفاجأ أن التظاهرة كانت تعمل لفريق الجزائر الذي انتصر على ألمانيا في كرة القدم، بينما خرجت تظاهرات بسبب ما فسّره العرب بالمؤامرة لإخراج الجزائر من الدور الأول في المباراة بين ألمانيا الغربية والنمسا في 25 يونيو. كانت التظاهرات الوحيدة في الشرق الأوسط التي خرجت تستنكر الاجتياح، كما يذكر فيصل القاسم هي التظاهرات الضخمة التي نظمتها حركة السلام الآن في إسرائيل للمطالبة بالانسحاب من لبنان، كما قام الفريق الإيطالي بإهداء لبنان كأس العالم «رمزيا» تعاطفاً معه»!!
لك الله يا لبنان في مصيرك ووقتك الضائع، لك الله يا سوريا المتروكة للقتل والدمار، لك الله أيتها الشعوب العربية الغافلة عمّا يتربّص بها وما يدور من حولها وعليها!!.