اولى بشائر الخلاف في الاتفاقية والاعلان، وتجمعهما فقط وحدة مكان الصدور من جنيف، تجلّت في التباين حول موعد استخدام القوة اذا تنصل الاسد. فالولايات المتحدة وحلفاؤها يريدون ادراج القرار الدولي الذي سيشرع الاتفاقية والذي تدور بشأنه المفاوضات حاليا تحت البند السابع الذي يجيز اللجوء اما الى العقوبات او الى استخدام القوة في حال الامتناع عن التنفيذ. فيما تريد روسيا الاكتفاء مرحليا بقرار دولي يشرع الاتفاقية على ان تتم العودة، في حال الامتناع عن التنفيذ، الى مجلس الامن لاستصدار قرار يجيز استخدام القوة.
ويوافق ديبلوماسي لبناني سابق على صحة هذا التوصيف لكنه يقلّل من اهمية تأثيره على المدى الزمني الذي يتطلبه التنفيذ ملمحا الى وجود تفاهمات علنية وبالتأكيد اخرى ضمنية لن تتكشف الا تدريجيا، في حال تخطت المفاوضات الملف الكيماوي لتطال الازمة السورية بمجملها. وبنظره فقدت روسيا، حتى وفق مفهومها الخاص لمضمون الاتفاقية، أي امكانية لتستخدم مجددا حق النقض في مجلس الامن الدولي كما سبق لها ان فعلت ثلاث مرات لحماية بشار الاسد. فمجرد اقرارها بضرورة مصادرة الترسانة الكيماوية يعني ضمنا موافقتها على فرض تنفيذها بالقوة في مرحلة ما خصوصا مع خشية، تجمعها والولايات المتحدة واسرائيل والغرب بمجمله، من امكانية استيلاء المتطرفين في وقت ما على بعض هذا السلاح.
اما ثانية علامات الخلاف فتظهر مع تصعيد روسيا موقفها من تقرير لجنة مفتشي وخبراء الامم المتحدة الذي اكّد استعمال غاز السارين من دون ان يحدد مباشرة الجهة التي استخدمته مرفقا ذلك بمعطيات تقنية عن الكمية والاحداثيات والصواريخ تضع بشكل لا يحتمل اللبس المسؤولية على النظام. فبعد أن رأى وزير الخارجية سيرغي لافروف في ردّ أولي ان معطيات التقرير غير كافية ولا تجيب بنظره عن كل الاسئلة، اتهم نائبه سيرغي ريابكوف التقرير بانه “مسيس منحاز واحادي الجانب” مطالبا من دمشق بتحقيقات اضافية بعد أن تسلم من النظام معطيات جديدة تحمل المعارضة مسؤولية الاستخدام.
لكن تمييع تنفيذ الاتفاقية او حتى تمييع تشريعها لن ينقذ الاسد من مصير بات محتوما يراوح وفق ما تسرب من معلومات بين نهاية العام الجاري ونهاية ولايته قبيل منتصف العام المقبل. كما أثرت الاتفاقية الاميركية – الروسية سلبا على مصير الملف النوي لحليفته الاقليمية ايران.
فموافقة الاسد على وضع ترسانته الكيمائية تحت اشراف دولي كشف النووي الايراني في لحظة مفصلية قريبة من اول استئناف للمحادثات في ظل حكم الرئيس الموصوف بالاعتدال حسن روحاني. فمع المبادرة الروسية تكرست مصادرة موسكو للقرار السوري بما يضع طهران في موقع ضعيف يسمح لها في احسن الاحوال بان تؤثر في استمرار الحرب. وهذا ما تشي به بوادر الانفتاح المتبادل مع الولايات المتحدة وحتى مع المملكة العربية السعودية التي دعا عاهلها روحاني لاداء مراسم الحج. حتى ان المرشد خامنئي بدا وكأنه يغطي ليونة في الديبلوماسية التي كشف عنها روحاني بطلبه مساعدة روسيا في الملف النووي بعد ان نقله من مجلس الامن القومي الى وزارة الخارجية وفي دعوته الحرس الثوري الى الابتعاد عن السياسة.
ورغم كل تأويلات حلفاء الاسد الاقليميين او المحليين او الدوليين لتصوير ارجاء الضربة الاميركية العسكرية المحدودة وكأنها انتصار بمعنى ان الموافقة على نزع السلاح الكيماوي هي ثمن للبقاء في السلطة يبقى ان خسارة الاسد لسلاحه “الاستراتيجي” مقدمة لتجريده من الحكم تحت عنوان الحل السياسي. ففرض السيطرة الاممية يعني قبول قيام قوات دولية بحراسة مواقع التجميع (على الاقل 45) بما يمكنها من متابعة الاحداث وفق تجربة العراق في هذا المجال.
بالتأكيد دشنت الاتفاقية- الاطار انتهاء عصر تفرّد الولايات المتحدة في زعامة العالم الذي بدأ مع سقوط جدار برلين. لكن بالتأكيد ايضا اقتنعت القيادة الروسية بجدية تنفيذ الاميركيين لتهديداتهم رغم كل العوائق وبأن تجنب ذلك يتطلب تقديم تنازلات مهمة، وهي على ثقة بأن التفاهم ارجأ التهديد من دون ان يلغيه لان موقع الولايات المتحدة ومصداقيتها سيبقيان على المحك. فتمييع تطبيق الاتفاق الاميركي- الروسي يعطي وقتا اضافيا ليتابع الاسد قتل مواطنيه بأسلحة فتاكة اخرى من قصف جوي وبالبراميل المتفجرة والصواريخ البالستية. وهو ما تحوطت له الخارجية الاميركية عبر تجديدها امس تأكيد التزام دعم المعارضة والسعي الى “جنيف 2 “.