يعيش الفصيل الفلسطيني المعروف باسم “الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين- القيادة العامة” التابع لسوريا وحليف “حزب الله”، والذي يطلق عليه الناس مصطلح “جماعة أحمد جبريل” أزمة كبيرة لم يعهدها من قبل، ناتجة عن انعكاسات الثورة السورية عليه وعلى قياداته ومعسكراته في سوريا ولبنان.
“القيادة العامة” أو جماعة “جبريل”، وكما هو معروف أنها الفصيل الأقرب للنظام السوري، وهي وحدة عسكرية تتبع مباشرة للمخابرات العسكرية السورية، تتحرك بأوامرها وتنفذ قراراتها وعلى رأسها إطلاق عناصرها الرصاص على المتظاهرين المدنيين السوريين الذين رفعوا شعارات سلمية منذ الأيام الأولى لانطلاق الثورة السورية في كل من شوارع الحجر الأسود ودوما وحماه ودرعا والزاهرية والميدان وقتلت المئات منهم.
ولم تكتف جماعة جبريل بعمليات القتل والإعدامات التي مارستها بحق الأبرياء في سوريا، بل شكلت لجاناً شعبية من الزعران وتجّار المخدرات واللصوص وأصحاب السوابق الذين خرجوا من سجون النظام السوري بعفو رئاسي، وانتشر عناصر هذه اللجان في مخيم اليرموك تحديداً، أكبر المخيمات الفلسطينية في سوريا، وبدأوا بإطلاق الرصاص من أطراف مخيم اليرموك على المناطق المجاورة للمخيم، والتي يقطنها مواطنون سوريون، ما أدى إلى مقتل العشرات منهم كما نفّذت عمليات اعتقال وخطف وتصفية لشُبّان فلسطينيين رفضوا الانصياع لأوامر جبريل في مساندة النظام السوري.
لم تكن كل تلك الأعمال التي قامت بها عناصر جبريل على خلفية سياسية أو أمنية لمصلحة النظام، بل جزء منها كان يتم بهدف فرض خوات على المواطنين الفلسطينيين، أو بدافع السرقة وترويج المخدرات ومصادرة السيارات، أو انتزاع ملكية شقق سكنية وأراض ومزارع ومصانع بالقوة من أصحابها الفلسطينيين، وكل هذه الاعمال كان يجري ترتيبها وحياكتها من داخل معسكر لهم يدعى “الخالصة” يقع داخل “اليرموك”، ومن معسكرات اخرى مثل عين الصاحب، والريحانية الذي هاجمته المعارضة السورية مؤخراً.
المعلومات تجزم بأن هذه الممارسات كانت تتم بأوامر من أحمد جبريل نفسه وابنه الملقّب بأبو “العمرين” وهو مسؤول عسكري وأمني تربطه علاقة وطيدة بعدد من رجال المخابرات في النظام السوري ومسؤولين أمنيين في “حزب الله”، وقد أدت هذه الأفعال إلى حصول حالات تململ ومعارضة واسعة داخل “القيادة العامة” فانشق أكثر من مسؤول، وأكثر من مجموعة، ودخلوا في صراع مسلح مع جماعة جبريل، التي قتلت بعضهم واعتقلت آخرين نقلتهم لاحقاً إلى مواقعها في لبنان حيث قُتل العديد منهم تحت التعذيب على يد المسؤول العسكري “أبو راتب”.
اليوم يعيش عناصر “القيادة العامة” في لبنان أزمة سياسية وشعبية ومالية، فالأزمة السورية تلاحقهم، ولم يبق لهم مؤيدون لا في داخل المخيمات الفلسطينية ولا خارجها، ولم يعودوا يحصلون على الأموال اللازمة، الامر الذي اضطرهم الى بيع العديد من أسلحتهم في بعض مراكزهم في معسكرات قوسايا والسلطان يعقوب والناعمة وبيروت ومخيم البداوي حتّى ان عناصر هذه الجماعة باتت تبحث عن حماية سياسية أو أمنية لبنانية أو فلسطينية لكن من دون جدوى، فالعلاقة مع “حزب الله” أصبحت على شفير الهاوية خصوصاً بعد عمليات بيع الأسلحة الواسعة لمعارضين سوريين.
وتؤكد المعلومات أن الأمين العام للقيادة العامة أحمد جبريل حاول مؤخراً المجيء إلى لبنان للاستقرار فيه، غير أن المخابرات السورية علمت بالامر وأوقفته ومن ثم أعادته إلى منزله في دمشق حيث يخضع لرقابة شديدة من المخابرات العسكرية، كما يحاول نجل جبريل “ابو العمرين” البحث عن مأوى داخل الضاحية الجنوبية لكنه لم يحصل على إذن حتّى اليوم، أما نجله الأصغر خالد فقد استقر في طهران مع زوجة أحمد جبريل وزوجات أبنائه وعائلات كبار المسؤولين في “القيادة العامة” ما عدا الأمين العام المساعد للقيادة طلال ناجي المعتكف بسبب سيطرة أولاد جبريل على الأموال والقرارات والمجموعات العسكرية والأمنية.
وتكشف المعلومات أن أحمد جبريل كان وصل إلى بيروت خلال شهر رمضان الفائت، تلبية لدعوة إفطار أقامها مسؤول إيراني معني بملف العلاقات الفلسطينية، ويومها لاحظ عدد من كوادر تنظيمه مدى الاضطراب والانزعاج الذي يعيشه الرجل خلال لقائهم به على هامش الدعوة بعد رفضه توجيه أي سؤال له خلال الإفطار وقد طلب من بعضهم العودة إلى سوريا في أسرع وقت لكنهم تمنّعوا متحججين انهم أتوا إلى لبنان من سوريا برفقة عائلاتهم وبأنهم لا يستطيعون العودة في ظل الظروف الراهنة.
أما أخطر ما كشفته المعلومات خلال النقاشات بين جبريل وعناصره, تلك الصراعات الداخلية التي تحصل بين الحين والاخر بين قيادات عسكرية وسياسية داخل التنظيم، والتي تنعكس اشتباكات مسلحة واغتيالات خصوصاً داخل معسكري الناعمة وقوسايا وبأن هناك مقابر جماعية لعناصر من التنظيم داخل هذه المعسكرات لم يُصر للكشف عنها حتّى اليوم وأن أصوات الرصاص والقذائف الصاروخية التي تحصل من وقت الى آخر داخل هذه المعسكرات، ما هي إلا اشتباكات مسلحة تقع بين المسؤولين والعناصر على خلفيّات متعددة مثل التأخر في دفع الرواتب أو محاولة فرض نفوذ لأحد المسؤولين داخل المعسكر.
مسؤول في أحد الفصائل الفلسطينية في لبنان يرى ان “مستقبل القيادة العامة مرتبط ارتباطاً وثيقاً بمستقبل النظام السوري، لكن ما يزعج عدداً من قيادات جماعة جبريل انه لا يفكر في مستقبل القيادة العامة، فهي لن تكون طرفاً في أي تسوية، ولن تحصل على أي حصة من كعكة التسوية، لأنها ابتعدت عن فلسطين وعن الفلسطينيين، وكل محاولات تلميع صورتها لن تنجح”.
