تمكنت روسيا من شراء بعض الوقت لنظام بشار الأسد من خلال الاتفاق الذي توصلت اليه مع الولايات المتحدة حول السلاح الكيميائي في سوريا، واستناداً الى اقتناع تتقاسمه مع الاميركيين بأن لا بدائل مقنعة في المعارضة لنظام بشار الذي يبغي أن يبقى كالجثة الهامدة من دون أن تعلن الوفاة وتدفن ريثما يتم ايجاد تصوّر لمرحلة ما بعد بشار. هذه خلاصة التوافقات بين الاميركيين والروس. ومع ذلك ثمة اختلاف في تقويم المرحلة اللاحقة حيث يرى الروس أن النظام ينبغي أن يكون جزءاًمن التسوية، فيما يرى الاميركيون أن جزءاً “تنفيذياً” من النظام يمكن القبول به، على أن تتم المحافظة على بنية المؤسسات ولا سيما الجيش النظامي، وبعض الأجهزة الامنية صاحبة “الكفاية” العالية في الامساك بأمن البلاد بعد أن يرحل بشار. بالطبع، يدرك الأميركيون ومعهم الأوروبيون والعرب الداعمون للمعارضة أن أي اتفاق مع موسكو لا يكون نهائياً ما دامت رغبة هذه الأخيرة وضع العصي في مسار تغيير النظام في سوريا، والدليل على ذلك ما يحصل اليوم من تفخيخ روسي لـ”اتفاق جنيف” بين وزيري خارجية أميركا وروسيا، حيث يرفض الروس كل حديث عن احتمال استخدام القوة في حال تلكؤ النظام في الامتثال لقرار مجلس الامن الجاري بحثه راهناً بين الدول الكبرى حول السلاح الكيميائي السوري. وقد زادت شكوك الغرب مباشرة روسيا الطعن علناً بتقرير مراقبي الامم المتحدة حول هجوم الحادي والعشرين من آب، وزعم وزارة الخارجية الروسية انها تسلمت من نظام بشار أدلة تشير الى تورّط المعارضة السورية في هجوم الغوطة الكيميائي!
مع موسكو المصممة على إنقاذ بشار، وتردد الأميركيين وضعف الرئيس باراك أوباما أن في الداخل أو في الخارج، يمكن بشار أن يكسب بعض الوقت المستقطع قبل السقوط. هذا كله لا يعني أن المرحلة المقبلة لن تكون حبلى بالمفاجآت في ساحة المعركة.
وفي الانتظار، تبقى الساحة اللبنانية في حالة انتظار لما ستشهده الساحة السورية. ويبقى العامل الأقوى على الساحة، أي “حزب الله”، منخرطاً بشكل تام في معركة الدفاع عن “جسر سوريا” الايراني، وبالتالي تبقى كل المبادرات مجرد “تقطيع وقت” ريثما تنجلي الامور، ولا سيما أن “حزب الله” يرفض رؤية التحولات الاستراتيجية التي أصابت المنطقة وأضعفته عملياً. وينبغي أن تترجم الأمور بحكومة لا يهيمن فيها، وتسقط معها مفاعيل “اتفاق الدوحة” المنافية للدستور، كبدعة الثلث المعطل.
لقد أخطأت بعض قوى 14 آذار وإن من باب المناورة السياسية في القبول، ولو نظرياً في التراجع عن مبادرة ركنها الأساسي سعد الحريري في ما يتعلق بقيام حكومة حيادية، لأنها أثبتت أنها غير قادرة على الصمود كثيراً، بعدما بالغت في المناورات التي لم تكسب أي واحدة منها. في مطلق الأحوال، سيبقى لبنان معلقاً، وسائراً نحو فراغ رئاسي معطوف على فراغ حكومي، واهتراء مجلسي. هذه هي دويلة لبنان في عهد دولة “حزب الله”!