#adsense

المقاومة.. قبل ولادة “حزب الله” (2 ـ 2)

حجم الخط

المقاومة.. قبل ولادة “حزب الله” (2 ـ 2)
الغدر في الظهر أسقط مقولة “الأرض لمن يحرّرها”

ما زلت أذكر تلك الصورة على غلاف الصحف والمجلات الأجنبية، المرأة السوداء من أعلى الرأس الى أخمص القدمين، وما كنت أحب اللون الأسود، إمرأة ترتدي “التشادور” وتحمل سلاح كلاشنيكوف بالقرب من جثة مقاوم في وادي طورا معركة، تلك الصورة التي صوّرها زميلنا العامل في إحدى الوكالات الأجنبية، بعد تحرير إقليم الخروب وصيدا في العام 1985 وبدء ما سمي “القبضة الحديدية” على منطقة صور. كنت هناك شاهدة، عندما حصلت عملية ضد الإسرائيليين ليلاً وعند الصباح كنا مجموعة من الصحافيين المغامرين الذين دخلوا المنطقة لمتابعة الأحداث في الجانب المحتل، كانت تلك المرأة تندب القتلى ومعها نساء عدة، قام المصور بتحميلها “الكلاشنيكوف” وصوّرها، أدركت حينها أن انتشار هذه الصورة سيغيّر الأوضاع، رغم أنها مركبة، لم يكن للمقاومين صور حينها ولم يظهروا في الإعلام إلا عند استشهادهم، يومها غضبت وشعرت بأن هناك مرحلة جديدة، بعدها بأيام قليلة تم اغتيال مسؤولَيْ المقاومة في تلك المنطقة من حركة “أمل” محمد سعد وخليل جرادي، اللذين كانا يعترفان بمقاومة “الحزب الشيوعي اللبناني” ويثنيان على أعمال “جبهة المقاومة” ولا ينكران دورها أو يتجاوزان بطولاتها.

لاحقاً ومع الانسحاب الثاني، تغيّرت الصورة تماماً، اغتيل عدد من قيادات المقاومة في “القومي” و”الشيوعي”، ومهّدت الطريق نحو صعود “المقاومة الصفراء” حيث جرى “تنظيف” الجنوب من أهل الجبهة وطرد الشيوعيين من النبطية وصور وغيرها بعد ملاحقات واغتيالات طالت قيادات وكوادر الى أن جرى تفريغه، بعد زرع الخوف والملاحقة والاعتقالات والتعذيب والاغتيالات، وبذلك تم القضاء على التنوّع في النسيج القائم في الجنوب وفي المقاومة، وألبس “حزب الله” العباءة الإيرانية للمقاومة، من أجل تحقيق مشروع لم ينتبه إليه البعض في البداية، أو ربما انتبهوا ولم يكن بإمكانهم المواجهة فخضعوا للأمر الواقع المفروض من حكم الوصاية السورية.

كانت العمليات الأولى لجبهة المقاومة سرية للغاية ومفاجئة للجميع، لم ينتظر المقاومون كثيراً بعد بيان أمين عام الحزب الشيوعي اللبناني جورج حاوي (أبو أنيس) وأمين عام منظمة العمل الشيوعي محسن ابراهيم كثيراً لبدء عملياتهم، كان أهل الجنوب كما وصف لي أحد المقاومين الذي ما زال لا يقوى على ذكر اسمه، خصوصاً أن في جسده رصاصات غدر شاهدة تلقّاها من مدّعي “المقاومة”، مرتاحين لانتهاء الحالة الفلسطينية وتجاوزاتها، طبعاً لم يكونوا مرحبين بالاحتلال تماماً، بعضهم كان كذلك، وآخرون كانوا مصدومين مما حصل، اختار الحزب “الشيوعي” لمقاومته السرية التي حضّر لها، رفاقاً مؤهلين للعمل على إنجاز مهمة التحرير. ولم يكن الأمر سهلاً بعد تحرير صيدا والجوار والعودة الى تخوم الشريط الحدودي، إذ إن التسلل في مناطق نفوذ حركة أمل لتنفيذ العمليات في المناطق المحتلة كان صعباً، فهي أقامت سجوناً خاصة بالشيوعيين في زفتا وتعرض المقاومون للتعذيب هناك، كان التسلل داخل المناطق المحررة بالصعوبة نفسها في اجتياز المواقع الإسرائيلية”.

ويوضح كانت “أمل” بتوجيه من النظام السوري تريد الهيمنة على الأرض المحررة، وبذلك سقطت مقولة “الأرض لمن يحررها” التي كان يقول بها الشيوعيون الذين نُفُيوا الى الرميلة بعد ذلك.

ويقول “تخيلي أنهم اعتقلوا مرة ثلاثة شبان من جرجوع من المقاومين الشيوعيين ووضعوهم مكبلين في صندوق سيارة واحدة”.

بعد العام 1985 بدأ حزب الله يتمدد على حساب “أمل” وحصل التصادم في معارك إقليم التفاح، مجازر كبيرة وقعت بينهما ودارت المعارك بين الأشقاء أحياناً، وكان القرار السوري قد اتخذ بتحجيم دور الحزب وتجلى ذلك في الاغتيالات والملاحقات.

ويروي أنه في جلسة مع “أبو أنيس” قبل اغتياله بأشهر قليلة روى له الكثير عن الضغوط التي مورست على الحزب من أجل السيطرة التامة على كل عملية يقوم بها الشباب، وكان غازي كنعان في جلسة شهيرة مع جورج حاوي والياس عطاالله أخذ القرار، ونفذ عبر مخابراته مع أمل ولاحقاً مع حزب الله، قرار تحجيم دور الشيوعيين، والإطلاق عليهم من الخلف”.

اليوم يبدو الشيوعيون محبطين ولا سيما أولئك المقاومون الذين بأكثريتهم بقُوا على الحياد من الصراع الدائر بين الشيوعيين أنفسهم، يصمتون ويغيبون عن الإعلام، يعملون من أجل قوْتهم اليومي، خصوصاً الفقراء منهم وهم من جاهد وتعب وفقد كل شيء من طموح شخصي وعلمي وعملي، كانت حياتهم تُختصَر بكلمة “جمول” (جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية)، واليوم لا حزب يسأل عنهم.

“كثير منهم نادمون” يقول، ويوضح “ليس على قتال إسرائيل، بل على إعطاء كل شيء من أجل وطن لم ينصفهم، ومؤسسة حزب يسودها الفساد والسرقات”. ويعتبر أن انتقال شيوعيين مقاومين الى حزب الله كان بمثابة حالات استثنائية وليس ظاهرة. ويشير الى أن ممارسات “أمل” كانت غير إنسانية بالكامل فحين استشهد المقاوم جعفر ياسين لم تسمح “أمل” للشيخ أن يصلي على جثمانه بحجة أنه “شيوعي وكافر” مع أن جعفر كان قد استهدف عميلاً كبيراً في صيدا.

ويشير الى أن “قيادة الحزب الحالية تضطهد المقاومين فهي لم تقبل أن تعمل طرف رجل ثانيا للمقاوم حسن عبون لأن القديم بدأ يزعجه ولم يعد صالحاً، فقام حسن بضرب أحد القيادات بطرفه في مركز صيدا، ليس هذا فقط بل أن مقاومين طردوا من عملهم في مؤسسات تابعة للحزب بسبب معارضتهم لسياسات القيادة ومثال على ذلك “أبو عرب”.

ويذكر كيف كانت “أمل” تقيم الكمائن للمقاومين وتسرق العمليات والشهداء. أحمد اسماعيل، مقاوم أغرته تجربة “جمول” منذ بدء الاجتياح ووصول الجيش الإسرائيلي الى بيروت، كان في السادسة عشرة من عمره، وبدأ يفكر بكيفية مقاومة إسرائيل، نتيجة شعوره الوطني وزج أخيه في معتقل أنصار بعد تنفيذه عملية في النبطية وحبه لأغاني “مارسيل خليفة”. أراد استكمال طريق أخيه فأسس مجموعة مع رفاقه وبدأ في رحلة للبحث عن السلاح ولم يكن منضوياً في أي حزب، حتى وجد مخبأ أخيه الكبير فأخذ منه 3 قنابل يدوية وأخذ أصابع ديناميت من طريق يتم حفره ويستخدمون لذلك “الديناميت” لتفجير الصخور على طريق نهر زوطر وجهّز أصابع الديناميت بصاعق وفتيل ورتّب لعملية تأجلت بسبب تزامن مرور الدورية الإسرائيلية مع وجود بعض الأهالي من البلدة، ثم نقل القنابل الى النبطية مع صديقه ويقول: “كنت خائفاً جداً وعندما وصل جيب إسرائيلي وعن بعد رمينا القنابل فانفجرت واحدة وانسحبنا ولم ينتبه لنا أحد فقد كنا صغاراً، لكن سمعت صوت رجل يقول “ناقصنا كم أزعر بدّهم يعملوا حالهم أبطال”. غضبت من كلامه ولم يكن بإمكاني الرد على ممانع من شاكلته”.

بعد شهر، أبلغه صديق له بأن المخابرات الإسرائيلية تسأل عنه وشكت أم صديقه الذي شاركه العملية عند أبيه قائلة “شو أحمد بدو يموّت ابني معو”، فما كان من والدي إلا أن أرسلني الى بيروت وهناك انتسبت الى الجبهة وبدأت تنفيذ المهمات مع رفاقي”، وتابع “صعوبات كثيرة كانت تواجه مجموعات الجبهة للوصول الى الهدف، إذ كنا ننطلق من صيدا أو الرميلة بسيارات أجرة خوفاً من الاعتقال على حواجز أمل ونخبئ الأسلحة في أماكن سرية وأحياناً نتسلمها من القرى التي نصل إليها من أحد البيوت في الليل وأحياناً نقطع مسافات مشياً من المناطق المحررة الى المناطق المحتلة التي كنا نشعر فيها بارتياح لأن لا أحد يراقبنا أو ينجح في اعتقالنا، لم نكن نختلط بالناس حفاظاً على السرية وكنا نؤمن التموين من جيبنا الخاص ولا نسأل القيادة عن لباسنا أو طعامنا”.

ويشير “لدى عودتنا من عملية استهدفت موقعا اسرائيليا في بلدة ياطر تمكنت مجموعات من امل من اعتقالنا عندما نصبت لنا كميناً عند اطراف البلدة وتم سجننا في البص 5 ايام بحجة اننا لا نتفق معهم وجردونا من سلاحنا وبعد وساطة افرج عنا”.

بتاريخ 10/9/1988 تم التحضير اللوجستي لعملية دير سريان التي كانت تهدف لأسر جنود اسرائيليين بعد شهرين من الاستطلاع، لكن العملية فشلت بسبب عملاء في المنطقة فاعتقلت مع ثلاثة آخرين بعد معركة طويلة مع الاسرائيليين تدخل خلالها الطيران المروحي والدبابات”.

وعن انكفاء دور جبهة المقاومة، يشدد احمد على أن “الجبهة شكلت حالة وطنية وظاهرة ثورية متمايزة الا ان عقابها كان كبيرا بسبب الاصرار على استقلالية عملها وعدم الخضوع لدفتر الشروط السوري الذي كان تحت ستار التنسيق والابلاغ عن العمليات قبل التنفيذ ومعرفة حجمها ونوعها، تسبب في تراجع العمليات، وفي سنة سقط لنا شهداء وجرحى وأسرى بنسبة لم نشهد مثيلها من قبل، كما شهدنا حرباً عسكرية ضد الحزب في بيروت وتهجير للشيوعيين في الجنوب، كانت المؤامرة كبيرة، اغتيل كوادر ومفكرون وقيادات لأننا لم نرضخ”.

يرى مسؤول جبهة المقاومة سابقا حسين قاسم ان “المقاومة الوطنية اطلقت بانطلاقتها مشروعا وطنيا عنوانه التحرير والتغيير الديموقراطي. بكون مقاومة عابرة للطوائف والمذاهب، وشهداؤها هم على مساحة الوطن كله. وهذا ما اعطاها بعداً حضارياً جميلاً وحقيقياً، سر قوتها أنها ناضلت من أجل الوطن وهذا ما مكنها من تحقيق نجاحات هامة، اذ كان لها الدور الأساسي بافشال نتائج الاجتياح الاسرائيلي للبنان لا سيما اتفاق 17 ايار، كما ان الاصلاحات ذات الابعاد الديموقراطية في اتفاق الطائف تعود في قسم اساسي منها الى دور المقاومة الوطنية”.

ويوجز الأسباب التي أعاقت عمل جبهة المقاومة بالقول: “عندما اقترب الحديث عن تحضير القوى اللبنانية تمهيدا لحل الازمة، تحديداً عند مرحلة الاتفاق الثلاثي في العام 1986 طرح موضوع تدجين المقاومة الوطنية وتحجيمها بعد أن جابهت قيادتها هذا النهج وتم التعرض لها، وأول الغيث كان قطع طرق الامداد عبر سوريا، اذ انه منذ ذلك الوقت لم تتسلم اي قطعة سلاح، بسبب الضغوط الاقليمية والدولية لا سيما النظام السوري لوقف التمويل، والدليل إلهاؤنا في معارك جانبية. حملة القمع التي شنتها “امل” على منظماتنا في الجنوب والبقاع الغربي والضاحية والتركيز على القرى التي كانت تشكل منطلقا لعمليات الجبهة، كما كان للمعارك الطاحنة بين “امل” و”حزب الله” بعد دخول العامل الايراني من البوابة الشيعية في الدولة، أي حركة “أمل” حيث كان لهذا التلزيم تداعيات ومستلزمات مهد له النظام السوري وحلفاؤه قتلا واغتيالا وتهجيرا للمئات من الشيوعيين والوطنيين المقاومين. فهل كان بامكان الجبهة مواجهة هذا الكم من العقبات؟! اعتقد ان اي جواب جلد للنفس”.

ولا يرى قاسم ان “مشروع مقاومة حزب الله” انتصر لأن المشروع السياسي للمقاومة الاسلامية إقامة نظام سياسي يطمحون اليه وهو بعيد المنال، فما حصل هو تمكنها من تحقيق انتصارات عسكرية على العدو الاسرائيلي ادت الى تحرير 800 كلم مربع هو الشريط الحدودي بينما مقاومة القوى العلمانية حررت 2800 كلم مربع من العاصمة بيروت الى الجبل والبقاع الغربي وصيدا وصور واسأل ماذا سيحل بمقاومة “حزب الله ومشروعها” لو تعرضت لما تعرضت له المقاومة الوطنية”؟.

وعما اذا كنا بحاجة الى مقاومة اليوم، يشير الى موقف حاوي الذي اتخذه بعد اندحار العدو عام 2000 عندما دعا الجيش اللبناني لدخول الجنوب واعادة نشر القوات السورية وفقا للطائف وقوله ان “لبنان وبعد اندحار العدو عن ارضه لم يعد ساحة انما اصبح وطناً” مما يعني ان ادوار المقاومات جميعها انتهت بزوال الاحتلال عام 2000، ثم لنرى جبهة الجنوب بعد 2006 الا يشبه وضعها جبهة الجولان الهادئة منذ العام 1973 حتى عام 2011؟، والأهم ان تكديس الصواريخ لا يفيد المقاومة بشيء، ولنرى ما حل بسلاح سوريا الكيميائي عندما فتحت الدول الكبرى ملفه”.

واذ يؤكد ان الجهاز العسكري للمقاومة كان يعمل بإمرة قيادة الحزب وأن بروز القوى العسكرية ببساطة كان لأن العمل ضد الاحتلال كان عسكرياً، ويذكر بدور اعلام الحزب الذي كان مميزاً لا سيما “صوت الشعب” التي كانت تحمس الشيوعيين على الانخراط في المقاومة”.

وحول مصير المقاومين الشيوعيين اليوم يعارضنا قاسم بالقول: “اعلم مسبقا ان ما سأقوله لن يكون شعبيا، وبداية لا يجوز التمييز بين شهيد سقط في المقاومة او شهيد سقط في مكان آخر، مصير المقاومين كمصير كل المناضلين الشيوعيين ولا يمكن ان نميّز مناضل عن رفيق له مجرد ان وقع الخيار على احدهم كي ينفذ مهمة معينة في اطار المقاومة، بناء عليه يصبح السؤال مشروعاً عن مصير المناضلين جميعاً، فالتقصير يشمل الجميع وأعتقد ان جميع المناضلين من شتى صفوف اليسار سيسقطون حقهم الشخصي على ما اصابهم من مهانة واذلال اذا نهض اطار يساري يحتل موقعه الطليعي وسط شعبه”.

واذ يلفت الى ان “تجارب المقاومات ليست متشابهة”، يوضح “بلدنا صغير وهو شديد التأثر بمحيطه فكيف اذا كان محيطنا هو اسرائيل وسوريا. في اليونان كادت المقاومة ان تنتصر لكن جاءت صفقة يالطا لتنسف النصر على النازية، أما في فيتنام كان صبرها كبيرا وطويلا على تدخلات الصين في شؤون مقاومتها ضد الاستعمار الاميركي، علما ان الشيوعيين الفيتناميين فتحوا نقاشا جذريا حول تكلفة المقاومة وبتواضع اقول ان جبهة المقاومة نجحت انما نجاحاً غير كامل.

ويختم قاسم: “لن اتردد لحظة في تلبية اي مهمة وطنية والندامة لا مكان لها في الواجب الوطني، لكن احاول قدر الامكان تفضيل النضال السلمي على النضال العنفي”.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل