#adsense

حصيلة الأحداث: روسياً، أميركياً، وسورياً

حجم الخط

في إطار الأزمة السورية، ثبتت بالدليل القاطع، أمور عديدة لعل أقربها إلى الوجود الإعلامي، تقرير الخبراء الدوليين المعينين من قبل الأمم المتحدة الواضح والفاضح، وهو التقرير الذي أثبت وجود السلاح الكيميائي القاتل في حوزة النظام السوري كما أثبت استعماله لهذا السلاح الفتاك بإرادة كاملة وبتصميم أكيد، وقتله لما يناهز الألف وخمسماية إنسان في طليعتهم، رتل من الأطفال المتفاوتة أعمارهم ما بين سن الرضاعة «وهم الأغلبية» وسن البلوغ والمراهقة، وأصبح من الصعب، حتى على الرئيس بوتين وبطانته، إختلاق مزيد من الحجج الفارغة والمراوغة والبعيدة عن الحقيقة والمنطق، بهدف تبرئة النظام ورئيسه المستأسد على أطفال ونساء شعبه والمغرق في هدم كل معالم الحياة والحضارة والعمران في بلاده، وإطفاء ما أمكنه من دقات قلبها العروبي النابض، إن الرئيس بوتين، قد حقق دون شك وعلى المدى القريب، جملة من «الإنتصارات» السياسية والدبلوماسية، وكان من حظه أن خصمه الرئيسي في الأزمة السورية، هو نظيره الأميركي الرئيس أوباما، الذي سيصنفه التاريخ رئيساً أميركياً هـو الأضعف وهو الأفشل وهو الأكثر تأرجحاً وتراقصاً على مسرح الأحداث الدولية. وبالرغم من تحقيقـه لشيء من النجاح المشوب بالشبهة من خلال وضع اليد على السلاح الكيميائي السوري مصرحـا بأن ذلــك لحماية المجتمع الدولـي، وما يضمـره ويقصـده هـو في الواقـع حمايـة إسرائيل من أخطار محتملة تتمثل في هذا السلاح القاتل الذي اختلقه النظام السوري كسلاح استراتيجـي، وبالغ في تصوير فعله وأثره، يواجه به الأسلحة الإسرائيلية الإستراتيجية، وفي طليعتها السلاح النووي والسلاح الكيماوي، فإذا به سلاحاً إنما أوجد وجرى اعتماده وتخزينه منذ عشرات السنين لدوافع العنطزة والتبجح بنوعيته الإستراتيجية العامة، وهو سلاح لطالما نفى النظام السوري وجوده ضمن أسلحته خوفا من نتائج الإعتراف بهذا الوجود من قبل إسرائيل، ولم يعمد النظام العتيد إلى استعمال هذا السلاح السام والقاتل، إلا ضد شعبه وأبناء وطنه فاستفرد منه أطفاله ونساءه فضلا عن رجاله، ووضع حدا لحياتهم، تماما كما سبق له أن وضع حداً لحياة ما يقارب الماية والخمسين ألف مواطن سوري، من خلال استعمال السلاح التقليدي بصواريخه ومدفعيته ودباباته وطائراته وبراميله المملوءة بالحمم والمتفجرات المريعة التي يلقى بها يومياً دونما أي رادع من وجدان أو ضمير، زاعماً جملة من التلفيقات المذهلة والمفضوحة، بأن من يقتل بالكيماوي والتقليدي إنما هم «التكفيريون»، وأنه بريء من ذلك «براءة الذئب من دم الحمل»، وأنه مدجج «بالأخلاقيات» التي تمنعه من هذه الحملات اليومية الإجرامية، وأطرف ما يذكر في هذا السياق، ظهور السيدة بثينة شعبان على الشاشات المختلفة، وبوجه متسلح بكافة المعالم والتعابير التمثيلية والمسرحية، التي أتقنتها منذ زمن بعيد، متشدقة بأن المعارضين، قد لملموا كل هؤلاء الأطفال الذين قضى عليهم السم الكيماوي وجمعوهم في مكان لقوا فيه حتفهم نتيجة لهذا السلاح الذي أطلقته المعارضة السورية «التكفيرية»، في وجههم وعلى أجسادهم وأنفاسهم، وكانت هذه السيدة المنغمسة تماما في أحضان الإستزلام الأعمى عنوانا لأسلوب النظام في قلب الحقائق بشكل يدعو إلى الضحك والإستهزاء والإشمئزاز.

ما هي الحصيلة التي يمكن للمتابع أن يستنتجها من غمار هذه الأحداث المتلاحقة وسريعة الوقع والأثر:
إن حصيلة العمل الروسي المجبولة بالمواقف المصلحية المحضة، وبالمواقف القيصرية المتغطرسة والمتخصصة بتحوير الحقائق واعتماد المزاعم الكاذبة، ستبقى ماثلة في أذهان أبناء هذه المنطقة، وسيكون التصرف الروسي في سوريا بشأنها، موضوعاً عاماً مطروحاً ومتمادياً، وحتماً لن يكون نتاجه لمصلحة العلاقات العربية والإسلامية مع روسيا، التي سبحت ضد التيار، وحمت الجريمة والمجرمين دونما حدود ودونما قيود، رغم صراحة الإثباتات الدامغة التي توفرت في كل مكان وفي طليعتها تلك التقارير الصادرة عن الخبراء الدوليين الذين عينتهم الأمم المتحدة. وإن غداً لناظره قريب.

وما يصح كلياً بالشأن الروسي، يصح جزئياً بالشأن الغربي عموما والولايات المتحدة خصوصا، ويدرك المتابعون، أن ما هو بارز في هذه الأيام، على سطح الأحداث الإقليمية والدولية، ما زال غامضاً وتغمره آثار الصراعات والتلاعبات التي تصلـح بشكل كبير لأن تكون نموذجاً لأعمال مسرحية تجمع بين الكوميديا والتراجيديا، المضحكة المبكية في آن معا.

وإن المراقبين في هذه المنطقة يتابعون بكثير من الإهتمام، حقيقة ما ستظهره الأحداث المتسارعة، في وقت لن يكون بعيداً، ليعلموا من خلالها: هل أن ما حصل هو عملية بيع وشراء للشعب السوري المسحوق، ولسوريا المخنوقة ولغالبية الدول والشعوب العربية؟، وهل يكتفي الغرب وأوباما بالتحديد، بوضع اليد على السلاح الكيماوي السوري كرمى لعيون إسرائيل بالدرجة الأولى، والأهم، هل إن تصنيفه للشعب السوري حالياً، يماثل بشكل من الأشكـال تصنيف الأميركيين البيض للأميركيين السود في سالف الأيام، «وربما في هذه الأيام أيضا» حيث سبق للشعب الأميركي الأسود أن ذاق الأمرّين من ذلك التعامل التمييزي والعنصري، وفقا لما هو معروف وموصوف تاريخيا؟ الجميع بانتظار تطور الأحداث على هذا الصعيد ليتكوّن أمامهم حكم موضوعي وعادل، ولتكون ردات فعلهم تتماشى مع ما حققته ثورتهم حتى الآن من نجاح يعلو مرة ويهبط مرة، ولكنها ثورة نابعة من معين شعبي أصيل وعريق، والشعوب التي تواكب مسيرة التاريخ ودروسه، هي شعوب منتصرة حتماً مهما طال الزمن وكثرت العوائق والصعاب.

وأخيراً يتساءل المراقبون: هل إن مقولة الرأي العام الدولي ومواقفه وقـراراته وعدالتـه هـي فعـلاً مقولـة موجودة وملموسة وعادلة؟ إنها مزحة ثقيلة، ومزاح بات ممجوجاً، ويبقى الأمر كذلك… حتى ثبوت العكس.
إن الآتي قريب، ويقتضي بذل جهد هام، لإطلاق الأحكام، وللصمود في وجه الأخطار والأضرار والأهواء الإقليمية والدولية، القائمة والقادمة.

وبشكل خاص، للصمود أمام أمواج الموت والدمار والخراب، التي تطغى على سوريا المنكوبة، شعباً ودولة وحضارة.

المصدر:
اللواء

خبر عاجل