“تخلت روسيا وإيران عن حليفهما نظام الرئيس بشار الأسد في معركة حيوية بالغة الأهمية بالنسبة اليه هي معركة الاحتفاظ بأسلحته الكيميائية التي شكلت طوال أكثر من ثلاثين سنة قوة رادعة أساسية في التعامل مع إسرائيل ودول وجهات أخرى. فالقيادة الروسية قدمت تنازلات الى إدارة الرئيس باراك أوباما وعقدت معها صفقة تفرض على نظام الأسد، للمرة الأولى، إجراءات محددة تلزمه التخلي عن هذه الأسلحة من غير أن تنقذه نهائياً من تلقي ضربة عسكرية، والقيادة الإيرانية دعمت الصفقة وشجعت النظام السوري على تنفيذها لأنها تسعى الى فتح صفحة جديدة مع الغرب وتحاول احراز تقدم في مفاوضاتها المقبلة مع الدول الست من أجل إيجاد تسوية ما لمشكلة برنامجها النووي. هذه الصفقة لم تشمل العمل على وقف الحرب السورية المدمرة، لكنها قد تمهد لتعاون أميركي – روسي أوسع وأكثر جدية من أجل تحقيق حل سياسي شامل للأزمة بالتعاون مع الدول المؤثرة الأخرى يهدف الى قيام نظام جديد مختلف جذرياً عن نظام الأسد يوفر التطلعات والحقوق المشروعة لكل مكونات الشعب السوري ويضمن الأمن والاستقرار في البلد”. هذا ما أوضحه لنا مسؤول غربي في باريس وثيق الاطلاع على مفاوضات جنيف الأسبوع الماضي بين وزيري الخارجية الأميركي جون كيري والروسي سيرغي لافروف والتفاهمات التي أنجزاها. وقال المسؤول ان الاتفاق الأميركي – الروسي ضربة قاسية للأسد ونظامه للأسباب الرئيسية الآتية:
أولاً – أنجزت روسيا الإتفاق مع أميركا من غير التشاور والتفاهم سلفاً مع النظام السوري، مما يشكل انتقاصاً من سيادة سوريا وتجاهلاً لسلطة الأسد ودوره. فالاتفاق حدد جدولاً زمنياً قصيراً وشروطاً قاسية لإزالة الأسلحة الكيميائية وفرضها على الأسد، إذ ان أميركا وروسيا التزمتا العمل على تدمير ترسانة هذه الأسلحة “في أسرع وقت ممكن” وأمهلتا النظام أسبوعاً لتقديم قائمة بالأسلحة التي يملكها وبمواقعها وطلبتا دخول المفتشين الدوليين الى سوريا في تشرين الثاني المقبل من أجل وضع كل المنشآت الكيميائية تحت اقامة الأمم المتحدة ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية تمهيداً لتدميرها في النصف الأول من السنة المقبلة.
ثانياً – تجاهل الاتفاق الشروط التي طرحها الأسد من أجل إزالة أسلحته هذه وأبرزها وقف التهديدات الأميركية باستخدام القوة العسكرية ضده وإنهاء الدعم للثوار والمعارضين، إذ ان كيري ولافروف اتفقا على التعاون معاً من أجل إصدار قرار لمجلس الأمن تحت الفصل السابع يسمح باستخدام القوة العسكرية وباتخاذ إجراءات قاسية ضد سوريا إذا لم يف النظام بالتزاماته أو إذا استخدم السلاح الكيميائي مجدداً. كما ان إدارة أوباما قررت مع حكومات أخرى تعزيز دعمها للمعارضة السورية والتمسك بخيار الضربة العسكرية إذا لم ينفذ النظام اتفاق جنيف.
ثالثاً – تنفيذ الاتفاق الأميركي – الروسي ينهك نظام الأسد ويربكه ويؤدي الى تقليص قدراته الحربية وسلطته أكثر فأكثر ويظهر عجزه عن الاحتفاظ بسلاحه الاستراتيجي الأكثر أهمية، إذ ان تدمير الأسلحة الكيميائية في إشراف دولي تنازل كبير واختراق غير مسبوق للأمن القومي السوري يحقق هدفاً أساسياً تسعى إليه إسرائيل منذ سنوات طويلة.
ولاحظ المسؤول الغربي “ان نظام الأسد أثبت انه مستعد من أجل البقاء للتحرر من أي ضغوط وقيود ولتجاوز الخطوط الحمر وبات يصعب جداً توقع ردود فعله أو التنبؤ بأعماله وقراراته مما يشكل خطراً جدياً على الأمن والسلم الإقليميين. واستناداً الى معلومات المسؤول الغربي فإن الأسد لم يطلع سلفاً القيادتين الروسية والإيرانية على قرار نظامه استخدام السلاح الكيميائي على نطاق واسع ضد الثوار والمدنيين في ريف دمشق مما أحرج حليفيه ودفعهما الى مطالبته بالتخلي عن الترسانة الكيميائية. كما تجاهل الأسد تحذيرين شديدي اللهجة وجهتهما اليه إدارة أوباما من طريق القيادة الروسية من ان استخدامه السلاح الكيميائي على نطاق واسع ضد خصومه سيدفع أميركا ودولاً أخرى الى اتخاذ إجراءات قاسية ورادعة ضده”.
وخلص المسؤول الغربي الى القول: “تستطيع القيادة الروسية الاضطلاع بدور إيجابي مقبول دولياً وإقليمياً إذا مارست ضغوطاً جدية على النظام السوري من أجل دفعه الى تقديم التنازلات المطلوبة وإذا أعطت الأولوية لإنقاذ سوريا من طريق التعاون الجدي مع أميركا والدول المؤثرة الأخرى عوض أن تواصل تقديم الدعم الواسع للأسد الذي يخوض حرباً ليست لها نهاية”.