#adsense

ها هو الكيميائي بين أيدِ أمينة.. تحفظ أمن إسرائيل

حجم الخط

جملة واحدة ضمن مقال نشرته “نيويورك تايمز”، تختصر كامل الرواية، إنها لعبة الأمم التي يجهلها البعض ويتجاهلها البعض الآخر في لبنان الكبير بتجاربه وأهميته والصغير بحجمه الجغرافي الذي يغصّ بالنازحين الهاربين من “سارين التوازن الردعي مع إسرائيل”. قالها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين كتابةً ممهورةً بتوقيعه: “التقارير تشير إلى أن المسلحين يستعدون لهجوم آخر وهذه المرة ضد إسرائيل وهذا ما لا يمكن تجاهله”.

هذه الجملة كانت كافية لإقناع الرأي العام العالمي بضرورة التمهّل في تأييد الضربة، وماذا يريد أوباما أكثر من هكذا تنازل تاريخي من نظام لطالما أتحف العالم بقوته الكيميائية الردعية لصالح إسرائيل أولاً وأخيراً. هذه القوة التي حولت بخدعة ممانعاتية خشبية، التنازل الأكبر في تاريخ نظام الأسدين، إلى خشبة خلاص قدمتها روسيا وأميركا لجبهة التصدي والصمود والعروبة ومحاربة الامبريالية العالمية المتغطرسة المتسلطة كما يصفونها للتخلص من “أعباء الكيميائي”. وكيف تحاربون العدو الصهيوني؟ بالبيانات؟ ها هو الكيميائي بين أيدٍ أمينة تحفظ أمن إسرائيل. مقابل ماذا؟ مقابل بقاء “أبو حافظ” على كرسيه المخلع بسبب المعارضات غير المتفقة على برنامج عمل جدي، أتاح للتكفيريين التسلل إلى قلب المشهد السوري الذي عمل نظامه لعقودٍ مضت، على حماية أمن إسرائيل والتنازل عن الجولان، وإلا لَما وصَل حافظ الأسد إلى الحكم، كما تُشير مجموعة من الوثائق.

ما يعنينا في لبنان من هذه التجربة، أن تُدرِك بعض الرؤوس الحامية وتقتنع أنها ليست من “حراس عواميد هيكل الكون”، لبنان أصغر من أن يُنتج لاعبين دوليين. مهمتنا جميعاً، لا بل واجبنا الوطني، يقتصر على العمل على كيفية تحييد لبنان عن تداعيات ما يجري من حولنا، مع تعاطفنا الكامل مع الشعب السوري المظلوم واحترامنا للرأي الآخر المختلف، الذي لا يتدخل ميدانياً في الشأن السوري (رحم الله أطفال سوريا الأبرياء).

ما يعنينا من هذه “التجربة السارينية”، أن نتأكد أن القوة الجبارة التي أرغمت “الأسد” على تسليم سلاحه الردعي مقابل إطالة عمر جلوسه على “حطام سوريا”، هي القوة نفسها التي فوضت والده احتلال لبنان، وباركت نفي هذا الزعيم واعتقال ذاك القائد طيلة 15 عاماً، قوة عالمية تخاف على أمن حيفا ويافا والجليل أكثر من خوفها على باب توما وبلودان ومعلولا وكسروان وكل من فيها. لماذا لا نتعلم أن أولويتنا هي في تمتين حضورنا بقوتنا الذاتية وفي تحصين شبكة علاقتنا الانفتاحية على كل الشركاء في هذا الوطن.
أن تُرتكب مجزرة بالكيميائي هي الكارثة الكبرى التي أشعلت الرأي العام العالمي، أن يُقتل الشعب السوري بالـC4 أو بالبراميل المتفجرة أو بالقذائف الصاروخية أو بالإعدامات الميدانية، وما أكثرها، فهو “أمر عادي لا يُحرك الضمير العالمي”.
المُهم من هذه التجربة أن يعترف من لا يريد أن يعترف أن “أكبر شنب” في هذه الممانعة لا يعدو كونه مجرد ورقة على طاولة تفاوض الكِبار، اليوم “الكيميائي” بشطبة قلم، غداً ماذا ومقابل ماذا؟ هل قرأ “حزب الله” هذه المعادلة جيداً؟، هل بدأ يتحسس أن الورقة القادمة في مفاوضات الدم قد تكون ورقته، في ظل هذا الانفتاح الإيراني الجريء على الغرب وهذا الخوف الروسي على أمن إسرائيل؟

هناك فرصة ذهبية على “حزب الله” ألا يفوّتها، تبدأ بعدم “تعريض أكتافه” لبنانياً كونه الخاسر الأكبر من صفقة تسليم الكيميائي وليس العكس، ولا تنتهي بانضمامه الفعلي لـ”إعلان بعبدا” وتواضعه في التعاطي مع عملية تأليف الحكومة وضرورة انسحابه من الحرب التي عرفنا كيف دخلها لكن ما نجهله، كيف سيخرج منها وماذا ستكون تداعياتها الأمنية والاقتصادية على جميع اللبنانيين بمختلف تلاوينهم السياسية والمذهبية، ليس في لبنان فحسب، بل في المهجر أيضاً.

يُقال إن صراخ تجّار الضاحية بات كبيراً بسبب تداعيات الحرب في سوريا والأمن الذاتي الذي جعلها بقعة معزولة عن باقي البشر يكاد لا يدخلها تاجر ولا متسوق ولا حتى ضيف، فماذا ينتظر “حزب الله” ليعتبر؟

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل