كتب طوني عيسى في صحيفة “الجمهورية”:
ما بعد الكيماوي، «حزب الله» يختلف عما قبله. كان سابقاً يقاتل إنتحارياً في سوريا، ويهادن إلى الحد الأقصى في لبنان. اليوم إنقلبت المعادلة: هدوء أكثر في سوريا ورفع للوتيرة في لبنان.
بعد الكيماوي، لم يعد “حزب الله” مضطراً إلى المضي بالزخم عينه في الإنخراط في الحرب الأهلية السورية. فالرئيس بشار الأسد حصل على “علاوة” مدّتها عام تقريباً. وهذه “العلاوة” الدولية – الإقليمية يعتقد البعض أنها ستخوِّله الإحتفاظ بالخطوط العسكرية المرسومة على الأرض، والضامنة لإستمرار النظام. وفوق ذلك، هناك ملهاة أخرى للمجتمع الدولي قيد التحضير على المسار الأميركي – إلإيراني.
إذاً، الأجواء مريحة لـ”الحزب” في سوريا. ولذلك، يمكنه التفرّغ مجدداً للبيت اللبناني. وفي أي حال، هو اليوم في لبنان أقوى مما كان قبل أسابيع، ليس لأنه حصل على جزء من الترسانة الكيماوية الأسدية كما تقول المعارضة السورية – فهذا الأمر لم يجرؤ طرف لبناني على تأكيده – بل لأن حليفه السوري بات في مأمن. ولذلك، صعَّد “حزب الله” في ملف الحكومة والحوار.
كان “الحزب” أكثر قناعةً قبل “ضربة أوباما” التي لم تقع. وكان يقبل بحكومة له فيها الثلث الضامن، وتحْفَظُ ثلاثية “الجيش والشعب والمقاومة”، ولو في شكلٍ مُموَّه. وأما اليوم، فهو يريد الثلث والثلاثية معاً، ومن دون أي إلتباس.
وقبل الصفقة الأميركية – الروسية، كان “الحزب” يحتاط للمفاجآت السورية بتعطيل المؤسسات والإستحقاقات. فقد وضع الحكومة الميقاتية والمجلس النيابي والمؤسسات العسكرية والإدارية والديبلوماسية في وضعية الشلل، ولا إنتخابات رئاسية في الأفق. وبعد الصفقة، يرغب “الحزب” في صياغة تسوية مرحلية سريعة، على غرار الدوحة، تكرّس سيطرته على المقدرات، إستعداداً لمرحلة الخيارات الكبرى الآتية.
إرتدَّ “حزب الله” إلى الداخل اللبناني، قبل أن يبرد حديد الكيماوي السوري. وأراد أن يستثمر الإنتصار الكيماوي الأسدي على الغرب في حرب لم تقع، تماماً كما إستثمر هو حرب تموز 2006 في تسوية أيار 2007.
لكن “الحزب” لن يعود تماماً من سوريا إلّا بعد التأكد من أنّ الأسد بات مرتاحاً على الجبهات، وقادراً على الإستغناء عن دوره العسكري. ففي الأجندة، معارك على جبهات دمشق وحمص وحماه وحلب وأريافها، إضافة إلى المناطق الساحلية المحاذية لعكار – الهرمل. وبعض هذه المعارك حسّاس، ولا يسمح بتخفيف مستوى التأهب والمناعة القتالية.
ومن الصعب على الأسد أن يستغني عن مقاتلي “حزب الله” في معارك الكرّ والفرّ. أما إذا حصل على غطاء دولي لخطوط التماسّ، كالغطاء الذي كان يكرّس الخطوط بين المناطق في الحرب الأهلية اللبنانية، فعندئذٍ يصبح ممكناً الإستغناء عن جزء كبير من ماكينة “الحزب”.
لكن الأهم على الصعيد اللبناني، هو أنّ “حزب الله” بدأ يجهز نفسه للمرحلة المقبلة، والتي سيكون مضطراً خلالها إلى صياغة التسوية الداخلية. وهذه التسوية ربما تكون مفاجئة للجميع. فالعديد من القوى يراجع حساباته في شكل دقيق، إعتقاداً منه أن هناك إنقلابات آتية في المعادلات والتحالفات والخيارات. وربما يجد “حزب الله”، كما العديد من القوى الداخلية الأخرى، أنه في تقاطعٍ إضطراري للمصالح مع قوى كان يتصارع معها تقليدياً. والعكس صحيح.
إنه أيلول، موسم القطاف. لكنه أيضاً موسم الأوراق المتساقطة. القطافُ وتساقُط الأوراق يقعان في جدلية تلقائية واحدة. ومن المؤكد أن الثمار التي يجنيها اليوم “حزب الله” ستوازي أوراقاً سيفقدها لاحقاً. وربما يتشدَّد “الحزب” اليوم في تحصيل الكثير لأنه يتوقع فقدان الكثير لاحقاً.
وسيجد “الحزب”، في اللحظة المناسبة، أنّ أصول اللعبة تقتضي منه التواضع أخيراً والتصرّف واقعياً والخضوع لمنطق الأخذ والعطاء. ويقول البعض: لطالما حاول “حزب الله” أن يخبئ قرشه الأبيض لليوم الأسود. ولا يمكن لأحد أن يهرب من هذا اليوم.