“نصر إلهي” حققه “حزب الله” وقد انفكّت عقدة لسانه بعدما تأكّد له أن احتمال الضربة الأميركية على النظام السوري تراجع لصالح الحلّ الديبلوماسي، فأطلق العنان لمواقفه التي تلعب كأسعار البورصة صعوداً وهبوطاً، هكذا تتراوح نبرة “حزب الله” ارتفاعاً وسكوناً. فبعدما التزم الحزب الصمت طيلة فترة التهديد الأميركي بالضربة، ها هو اليوم يعوّض سكوته تهديداً وتهويلاً وتناقضاً واتهاماً.
وقدّمت كتلة “الوفاء للمقاومة” برئاسة النائب محمد رعد رؤيتها الخاصة للأحداث السياسية المحلية والعالمية في اجتماعها الأسبوعي، ويحافظ الحزب ضمن هذه الرؤية على “هوَسه” في ترجمة كل الخطوات العالمية والمحلية لصالحه مسجّلاً نقاطاً يضيفها الى سجّل قمصانه السود في يومهم المجيد. فكل مجريات الأمور التي حصلت مؤخراً تصبّ في صالح الحزب: “تراجع احتمالات العدوان الأميركي على سوريا” هو بمثابة النصر الإلهي لمحور الممانعة، وإن كل مطّلع على العلاقات السياسية بين الدول يدرك أن التهديد باستخدام القوة لا يعني استخدامها فعلياً، إنما هو مجرّد وسيلة للضغط على الخصم وإخضاعه لرغبة المهدد بالقوة العسكرية… فهل خوف الممانع البعثي بشار الأسد ورضوخه للإرادة الغربية تحت وطأة التهديد العسكري هو انتصار للممانعة؟
وتبدي الكتلة، في جملة ملاحظاتها، عتبها على منظمة الأمم المتحدة “المقصّرة في تحمّل مسؤولية إغاثة ودعم النازحين السوريين”. لا شكّ في أن هناك مسؤولية كبيرة تقع على الأمم المتحدة بصفتها منظمة حكومية، لكن من غير المجدي الهروب من المسؤولية الأساسية التي كانت السبب في نزوح عدد كبير من السوريين الى لبنان… فهل الأمم المتحدة هي التي اختارت سياسة النأي بالنفس ولم تحترمها؟ وهل الأمم المتحدة هي من قاتلت الى جانب النظام السوري ضدّ الشعب؟ طبعاً لا، فلولا تدخّل الحزب لكان لبنان اتّبع سياسة الحياد، ولعب دوراً تاريخياً في حماية شعبه واستيعاب النازحين بدعم من الأمم المتحدة. فهل يأخذ المجتمع الدولي “حزب الله”، الذي جلب “الدبّ الى كرمه”، على محمل الجدّ ملقياً بالمسؤولية على الأمم المتحدة؟
إن سياسة “حزب الله” برمّتها تسير على هذا المنوال إن تجاه الأمم المتحدة أو تجاه قوى 14 آذار، فهو يفعل “فعلته” ويلقي اللوم على غيره. لا شيء يرضيه سوى ما يقترحه حلفاؤه، لذا فهو متمسّك بمبادرة رئيس مجلس النواب نبيه بري، ربّما يرى فيها خريطة طريق لعودته مرفوع الرأس من سوريا، بدل دخوله لبنان مطأطأ الرأس ما سيمنعه من فرض شروطه على تشكيل الحكومة كالثلث المعطل وغيرها من ضمانات بقائه ممسكاً بمفاصل الحياة العسكرية والسياسية والأمنية في لبنان وإن لم يتمكن من السيطرة كلياً عليها… وما رفضه إعلان بعبدا وتأييده في المقابل مبادرة بري إلا لأنه بات على يقين من أن ورقة النظام السوري قد شارفت على الاحتراق.
وليس مستغرباً أن يوجّه “حزب الله” سهامه نحو الأمم المتحدة وقوى 14 آذار التي “تعطّل المؤسسات الدستورية وتشكيل الحكومة”، فالأمم المتحدة كانت أكّدت في تقريرها بخصوص السلاح الكيميائي بأنه “موضوعي” في مواجهة اتّهامات النظام، أما قوى 14 آذار فاتّهامها لا يرتكز على وقائع وإثباتات لأنه بات مجرّد لازمة للحزب لتعويض خسارته وتعويم سياسته الممانعة في المنطقة… وكل من يواجه الأسد بالحقيقة يواجهه “حزب الله” بقلب الحقيقة أو تحويرها ظناً منه بأنه قادر على الاستخفاف بعقول الشعوب. وهذا ما يحبط نصر الحزب “الالهي” لأن أمنية بشار بأن يصبح الحليف الرابع في الاتفاقية الى جانب الولايات المتحدة وروسيا والأمم المتحدة لن تتحقق أبداً!
الى الداخل، ينتقل الحزب “غامزاً” من قناة التهديد الإسرائيلي حاملاً بعض الرسائل الى اللبنانيين وواضح من خلال ما ورد في البيان بأن الكلام موجّه تحديداً الى أهالي زحلة، هو تهديد أيضاً إنما بطريقة “لبقة”، والغريب أن “المقاومة” لم تهدد هذه المرة إسرائيل، أو ربّما لم يطّلع القيّمون عليها ما ذكر في إحدى الصحف الإسرائيلية من تهديد للبنان على لسان أحد المسؤولين العسكريين. أهالي زحلة يحظون هذه المرة بأولوية في التهديد، حيث تدرج الكتلة عملها ضمن “حقّها المشروع في مواصلة جهوزيّتها الكاملة مع ما تقتضيه من مستلزمات في المجالات كافة. وترى أن ذلك هو في مصلحة كل اللبنانيين في كل المناطق”.
ولا يكشف خداع “الممانعة” سوى دعوتها القوى الأمنية “لتولي مهمات حفظ الأمن والاستقرار وحماية الناس في الضاحية الجنوبية الجريحة والمستهدفة من العدو الاسرائيلي وقوى الارهاب التكفيري” في حين تقف عناصرها الميليشيوية على الحواجز تدقق في السيارات وتتدخل في خصوصيات الناس بصفتها “الدولة”، بعدما أرسلت “الممانعة” رسائل إعلامية عدة للقوى الأمنية لإفهامها بأنها ستأخذ على عاتقها حماية الناس بحجة أن القوى الأمنية عاجزة وعدد عناصرها لا يكفي لحماية الضاحية! ثم لمَ تريد “المقاومة” أن تفرض نفسها على أبناء زحلة في حين تدعو الدولة الى الضاحية؟
ليس بالسلاح وحده يحيا “حزب الله” إنما بالتناقضات أيضاً… فهل يدّعي حاجته لحماية القوى الأمنية لكسب الوقت أم يريد أن ينشر حواجزه على كل الأراضي اللبنانية؟ وهل يريد أن يُصلح أعطال اتّصالاته أم أن يحضّر لفتنة وانقلاب على اللبنانيين؟ إقلاق راحة اللبنانيين وتعكير استقرارهم هما من الواجبات الحصرية لـ”المقاومة” حتى تكون جاهزة لمواجهة إسرائيل في وقت تخلّى فيه الأسد عن سلاحه الذي كان يدّعي أنه سلاح الردع، وباتت طريق صدّ العدو تمرّ عبر زحلة.. فهل إن “حزب الله” متخوّف من أن يتخلّى عنه بشار الأسد؟