#adsense

هل يدفع لبنان ثمن التسوية المقبلة؟

حجم الخط

المرحلة التي تجتازها المنطقة شبيهة، مع اختلاف العنوان والظروف، بحقبة مطلع تسعينات القرن الماضي، حيث تركّزت الأنظار على الشرق الأوسط بعد انتهاء حرب الخليج الثانية في عام 1991 والدعوة إلى عقد مؤتمر سلام في مدريد بحضور جميع أطراف النزاع العربي-الإسرائيلي ورعاية الولايات المتحدة والاتّحاد السوفياتي.

دخلت منطقة الشرق الأوسط مرحلة جديدة بعد استخدام النظام السوري للكيماوي وإعلان الولايات المتحدة نيتها توجيه ضربة عسكرية، ومن ثم تأجيلها إفساحاً في المجال أمام المساعي الديبلوماسية ربطاً بالمبادرة الروسية. ويتزامن بحث الأزمة السورية مع إعادة إطلاق المفاوضات الإسرائيلية-الفلسطينية، وتركّز الأنظار على الملف النووي الإيراني والحدّ من نفوذ طهران ودورها، فضلاً عن الرسائل الأميركية-الإيرانية المتبادلة والتي وصلت إلى حدّ تشجيع المرشد الأعلى للجمهورية الإيرانية السيّد علي خامنئي الرئيس الإيراني حسن روحاني على مواصلة انفتاحه الديبلوماسي في مناورة جديدة الهدف منها الالتفاف على الولايات المتحدة تخفيفاً للضغط على النظام السوري وحَرفاً للأنظار عن الأزمة السورية وتفويتاً للّحظة الدولية المجمعة على معاقبة الرئيس السوري.

فكلّ المؤشرات تدل على وجود قناعة بأنّ مجموع الملفات المشار إليها قد نضج، وأنّ الوقت حان لمقاربتها وحلّها، وأنّ اللقاءات الأميركية-الروسية تدخل في هذا الإطار، وأنّ حلّ الأزمة السورية ما هو إلّا مقدّمة للانتقال إلى الملف الإيراني، وبالتالي في ظلّ هذه المناخات التي يمكن أن يتقرّر فيها مصير المنطقة ومستقبلها من قِبل عواصم القرار تتحوّل اللعبة الداخلية إلى تفصيل صغير في هذا المشهد الكبير، الأمر الذي يتطلب مواكبة هذه التحوّلات وفق الآتي:

أوّلاً، إطفاء كلّ المحركات السياسية الوطنية مقابل تكثيف المشاورات داخل كل فريق بغية وضع كل السيناريوات الممكنة، أي أن تكون 14 آذار في كامل جهوزيتها لمواجهة تحدّيات المرحلة.

ثانياً، تكثيف الاتصالات الخارجية وتفعيل القنوات الديبلوماسية للوقوف على تفاصيل ما يتمّ تحضيره وصياغته ورسمه.

ثالثاً، تجنّب أيّ تنازل سياسي من أي نوع كان خشية أن يصار إلى استثماره من قبل الطرف الآخر والتأسيس عليه في التسوية المقبلة.

رابعاً، الذهاب نحو حكومة يقرّر مصيرها رئيسا الجمهورية والحكومة بالتفاوض مع 8 آذار من دون مشاركة 14 آذار، مهمّتها إدارة المرحلة الانتقالية بانتظار نضوج التطوّرات الخارجية.

خامساً، الأولوية لم تعد محلّية، ومن الأولى انتظار ما ستتمخّض عنه المساعي الدولية إمّا نجاحاً أو فشلاً، حيث وفق كلّ احتمال تأخذ التطوّرات منحى معيناً.

سادساً، المعادلة الذهبية في هذه المرحلة: تجنّب عودة الحرب الأهلية، وتجنّب التنازلات السيادية، أي أنّ المطلوب لا التنازل ولا التصعيد، خصوصاً أنّ الحدث خارجي بامتياز، وفي ضوئه سيتقرّر، ربما، مصير المنطقة للعقود المقبلة.

ومن هذا المنطلق، من الحكمة تمتين كلّ فريق صفوفه الداخلية والتهيّؤ للمرحلة المقبلة التي يمكن أن تحمل الكثير من المفاجآت من قبيل أن يدفع لبنان الدولة ثمن أيّ تسوية خارجية، لأنّ المفاوضات السلمية تختلف عن الحروب العسكرية التي تخلق لوحدها نوعاً من أمر واقع، فيما المفاوضات تتطلب تنازلات ومقايضات وقد يكون من ضمنها تخلّي إيران عن ورقة النظام السوري التي باتت محروقة مقابل الاحتفاظ بورقة «حزب الله» في لبنان، ما يفرض على اللبنانيين التسليم باستمرار سلاح الحزب ولو على أساس صيغ وأفكار ومخارج وتعهّدات والتزامات، إنّما مؤدّياتها إبقاء لبنان ساحة والتوازن مختلاً.

وأيّ تسوية من هذا النوع يقتضي إجهاضها مسبقاً، أي قبل تحوّلها إلى أمر واقع، على غرار التسوية السورية-الأميركية عشية حرب الخليج الثانية، والانخراط في مؤتمر مدريد وتسليم واشنطن إدارة الملف اللبناني لدمشق. وإن كان هذا الإجهاض صعباً، غير أنّه ليس مستحيلاً في ظلّ علاقات لبنان العربية والدولية، إنّما يفترض إعلاء الصوت وتفعيل الحراك السياسي-الديبلوماسي، خصوصاً أنّ المنطقة تمر بمرحلة مفصلية تتطلب جهوزية تامّة، وأن تكون 14 آذار في موقع اللاعب لا المتفرّج والمتلقّي.

وقد أثبتت التطوّرات أن لا حلّ للقضية اللبنانية، ويا للأسف، قبل حلّ القضية الإقليمية التي تبدأ بالصراع العربي-الإسرائيلي ولا تنتهي بالنووي الإيراني، إنّما أيّ حلّ فعليّ للقضية اللبنانية يتوقّف على معالجة عنصر أوحد يتصل بالسلاح بمعزل عن مسمّياته، سواءٌ أكان سلاحاً موجّهاً إلى الداخل أو مقاوِماً موجّهاً إلى إسرائيل أو إلهيّاً، وسوى ذلك يعني استمرار الأزمة اللبنانية إلى أجل غير مسمّى…

ويبقى أنّه لا يجب التقليل من المخاوف من أن يدفع لبنان ثمن التسوية المقبلة، خصوصاً أنّ الاتجاه هو إلى الحلول الديبلوماسية التي تُبقي التوازن الإقليمي قائماً من دون تغليب محور على آخر، أي على طريقة لا غالب ولا مغلوب بين طهران والرياض، وبالتالي الخشية من أنّه مع سقوط دمشق يتمّ التعويض لإيران في بيروت…

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل