كتب يحيى جابر في صحيفة “الشرق”:
عند الحديث مع مفتي طرابلس والشمال الشيخ الدكتور مالك الشعار، المبتعد قسراً، لا اختيارياً، عن مدينته وأهله وسائر محبيه ومريده، تشعر كم ان هذا الرجل يعيش معاناة الغربة القسرية، التي لم تكن في رغبته لحظة واحدة… لم يكن مضى على غربة المفتي الشعار القسرية الى العاصمة الفرنسية باريس، أسابيع معدودة، حتى حاولت ألسنة السوء ان تنال منه، الذي لم يغادر مدينته وأهله، إلا بطلب من الأجهزة الأمنية المختصة التي وقعت على ما كان تهديداً لشخصه وعائلته… ومضى البعض في حياكة روايات واخباريات، لم يكن القصد منها سوى النيل من هذا الرجل الذي يشهد له الجميع بحسن الدراية والتدبر والفاعلية الراقية في إدارة أمور وشؤون وشجون الأهل في عاصمة الشمال، أياً كانت ولاءاتهم، وأياً كانت انتماءاتهم وأياً كانت مواقفهم السياسية، فالكل عنده سواسية، ولا فضل لأحد على آخر إلا بما يقدم لبلده وأهله من غير منّة او أهداف شخصية… أكثر من مرة سربت معلومات عن قرب عودة المفتي الشعار، لكن هذا لم يحصل، وظل الرجل على تواصل دائم مع سائر المرجعيات السياسية والروحية والأمنية، وهو كلما عزم على العودة، جاء من ينصحه بالتروي قليلاً…طالت غربته، وطال معها عذابه النفسي، والذين أرادوا الاصطياد في الماء العكر وجدوها فرصة لتشويه صورة الواقع وتقديم مشهد الغربة القسرية على أنه خيار بيد صاحبه… وعليه كان لا بد من اتصال مع سماحته، تلفونيا، وهو في باريس فكان لنا معه هذا الحوار الموجز، آملين ان تنقشع الأجواء في أقرب وقت لتتحقق رغبته الأكيدة في العودة سريعاً الى الوطن والى الأهل.
– سماحة المفتي، كثرت في الآونة الأخيرة أحاديث عن قرب عودتك الى طرابلس، لكن شئاً من هذا لم يحصل، هل لنا ان نعرف من سماحتكم الأسباب التي تحول دون العودة، خصوصاً ان مراجع أمنية عليا تحدثت عن توفير كامل الحماية الشخصية لكم؟.
* بداية أود ان أوجه شكري الى جريدة «الشرق» لاهتمامها ومتابعتها هذا الأمر، وقد عودتنا على ذلك من خلال احاطتها ومتابعتها لكل ما له علاقة بالوطن والمواطنين. وما خصتنا به هذه الليلة في هذا الاتصال… أما ما له علاقة بعودتي الى لبنان، والى أهلي ومدينتي طرابلس، فقد أعلنت مراراً وتكراراً، ان هذا سيحصل وقد يكون في وقت قريب وقريب جداً… ولعلي أجد ذلك قبل بداية العام الميلادي الجديد، فأعود لأكون في كنف هذا الوطن، وفي حضن الشعب الذي أكن له كل تقدير واحترام ومحبة. ولا أخفي ان عدم عودتي الى لبنان، كما كنت أتمنى سابقاً وأعلنت، لم تكن وليدة إرادتي، فالمسألة أكثر تعقيداً مما يخال البعض او مما كنت أعتقد… فالأمر مختلف وان المسؤولين الذين كنت على تواصل معهم وكانوا على اتصال بي شعروا بضرورة تأمين كل ما له علاقة بالحماية الأمنية… وقد اشعروني بذلك، وربما يتحقق هذا الأمر في فترة وجيزة، وليست بعيدة، كما أتمنى وأريد وارغب…
– هل من شروط للعودة، وضمن أية ظروف او شروط تتحقق، وهل أنتم فعلاً في وارد العودة، متى وكيف، أم ان الغربة ستطول؟
* لا أخفيك انني راغب في العودة اليوم قبل غد… والبارحة قبل اليوم… لكن المسألة ليست في يدي… وأنا عازم على العودة قبل نهاية هذا العام… وتسألني هل أنا مقتنع بإجابات المعنيين، وبوعودهم، فأقول لك، لقد تعرضت كثيراً، ولازال أتعرض، وأنالي كامل الثقة بالأجهزة المعنية… وليس لي أية شروط شخصية…
– كيف تنظرون سماحة المفتي الى الفراغ الروحي والسياسي الذي سببه غيابكم عن طرابلس، في ظروف هي أحوج ما تكون فيها اليكم؟ هل هناك من تواصل مع المرجعيات الروحية في طرابلس والشمال، وكيف؟
* التواصل قائم مع الغالبية الساحقة من المسؤولين الروحيين والزمنيين والامنيين، ولا أبالغ اذ أقول إنه يومي، بل ساعة بساعة… ولا استثني في هذا أحداً… وآخر اتصال (قبل ساعات) كان مع فخامة رئيس الجمهورية… واتصالاتي لم تنقطع البتة – مع سائر المسؤولين وأصحاب الدولة ومعالي الوزراء الحاليين والسابقين، الذين أظهروا اهتماماً مشكوراً بموضوعي وقضيتي… وباعتبار ان رجال الدين يرتبطون ارتباطاً مباشراً برئاسة مجلس الوزراء، فإن تواصلي لم ينقطع مع أي من هؤلاء المسؤولين، الاتصالات قائمة، وذلك على رغم انشغال هؤلاء بالوضع الناشىء في البلاد، وأنا حريص جداً على أوقاتهم. ومع هذا، فإن الأمر لا يتوقف على وجود أحد بعينه… المهم ان لا يكون هناك فراغ، وأن يكون هناك من يملأ هذا الفراغ، بجهود منسقة وبكوادر تخدم مصلحة الوطن وتخدم الوحدة الوطنية… وهذا أمر أجزم بأنه لم يغب لحظة وكان قائماً على الدوام… وعلى رغم غيبتي القسرية، فإني على تواصل دائم ويومي مع أمين الفتوى وأوقاف طرابلس والشمال، ولم انقطع عن مهمتي ولا أبالغ اذ أقول ان عدداً من الاجتماعات عقدناها عبر التواصل الاجتماعي، مع مجموعات معينة من اخواني. طبعاً، يبقى وجود الانسان (جسدياً) بالغ الأهمية، ولا أخفي بأني أسمع من اخواني وأهلي في طرابلس مواقف صادقة، وهم يتمنون عليّ العودة، ولا أنكر ان بعض الأصوات الصادقة كانت تتمنى عليّ التريث في العودة، لأن الصورة لم تكن واضحة بعض الشيء… ولعلي استطرد هنا وأقول، أنا عازم على ان تكون العودة قبل نهاية هذا العام…
– سماحة المفتي، كيف تنظر الى التسريبات الاعلامية، والكلام عن ان هناك من يقوم بدور لا يخدم موقعكم ولا يخدم الدور الذي يمكن ان تقوموا به، على خلفية ان «البعيد عن العين بعيد عن القلب» فهل هذا هو واقع حالكم اليوم مع طرابلس وأهلها…
* لا أريد ان أتوقف عند ما نشرته جريدة «الاخبار»، من مشاعر سلبية وخاطئة… ونحن والحمدلله ما نحن، ولن نحيد لحظة واحدة عن المسؤولية، وعن القيام بالدور البناء… فالذي يحمل هذا الفكر، يكون صمام أمان لوطننا العزيز… ولن يحجبنا عن ذلك هذه المشاعر السلبية وهذا الحديث الاخباري في مقال في جريدة. أنا لا أريد ان أرد على أي أحد… وان كان ما كتب لا يمت الى الحقيقة بصلة… وكل ما أتمناه وآمله، ان يحافظ أهل الاعلام على رسالة وسائل الاعلام، وان يحافظ الاعلاميون على مستوى مسؤول في كتابة مقالاتهم… وكم كنت أتمنى لو تكرم كاتب المقال ولو بذكر حقيقة واحدة دون ان يركّب ويتخيل هذه الأوهام التي ساقها الى المواطنين في جو من الكراهية…
– كيف تقرأ سماحة المفتي ما يتسرب من معلومات عن مساع يقوم بها البعض من أجل انتخاب مفتٍ لطرابلس بديلاً منكم؟
* نحن أبناء مؤسسة تحكمها القوانين والنظم وتحكم بالقوانين، لا بالأمزجة، ولا بغير ذلك… مما يدعو اليه أهل الباطل، الذين لا شك في كراهيتهم… أنا ملتزم بقانون المؤسسة التي أنتمي اليها وأعتز بهذا الانتماء… والكل يعلم ان ابتعادي عن دار الافتاء (جسديا) لم يكن وليد رغبة مني، وإنما بناء لنصيحة.؟!
– كيف تقرأ سماحة المفتي المعلومات التي تتحدث عن دعوى وقع عليها 47 شخصية، بمن فيهم رؤساء الوزارة، تطلب كف يد مفتي الجمهورية الشيخ محمد رشيد قباني وتعيين متول موقت؟
* كل ما يسمح به القانون ويجيزه، لا أستطيع ان أنكره او أنكر على أحد حقه القانوني… نحن نعرف قيمة القوانين وإنها وضعت من أجل الحرص على المصلحة العامة ومصلحة المؤسسات… وعندما يرى عدد كبير من أهل المسؤولية رأياً، فأنا لا أستطيع ان أنكره على الاطلاق، ولا أستطيع إلا أن أقول انه حق قانوني…
– كيف تنظرون الى الوضع الحالي في طرابلس، وكيف تصفون علاقاتكم بالرؤساء عمر كرامي ونجيب ميقاتي وسعد الحريري؟!
* أحمد الله تعالى على ان علاقتي بأهل مدينتي طرابلس، على درجة عالية من الثقة والعاطفة والاحترام المتبادل… وأحمد الله ربي على هذه الثقة التي أولاني إياها أهل بلدي بصورة عامة، وبصورة خاصة أهل المسؤولية، وفي طليعتهم أصحاب الدولة الذين تفخر بهم طرابلس… هناك دولة الرئيس عمر كرامي ودولة الرئيس نجيب ميقاتي، وهناك تاريخ طويل في رئاسة مجلس الوزراء عبر المرحوم الرئيس رشيد كرامي رحمه الله. إني صلتي بهؤلاء قائمة على قناعة، ولم تنقطع، والحمدلله، فإن رئاسة الوزراء في لبنان تعطي ثقلاً لهذا الكيان، وآمل ان يعود لبنان الى ماضيه وأن نعمل كل ما من شأنه ان يمنع عنه التصدع. وكما علاقتي بالرئيس عمر كرامي، علاقتي بالرئيس نجيب ميقاتي، كانت وستبقى على درجة عالية من الاحترام والتقدير والتفهم…أما الرئيس سعد الحريري، وقد جاء في ظروف استثنائية مؤلمة باستشهاد والده الرئيس رفيق الحريري، فقد أحدث نقلة نوعية بعد فترة غير قصيرة من المعاناة. إن علاقتي بالرئيس سعد الحريري هي علاقة تقوم على الاحترام المتبادل والمحبة المتبادلة، وأنا شخصياً لمست فيه ومنه كل رعاية، وقد تكررت لقاءاتنا مع بعضنا البعض ودعاني الى زيارته في المملكة العربية السعودية، وهو كان، ولايزال، حريص على طرابلس وأهلها…
– هل من كلمة أخيرة تريد ان تتوجه بها الى أهل طرابلس؟
* عبر جريدة «الشرق» أريد ان أتوجه الى أهلي وأحبائي في طرابلس، والى سائر اخواننا اللبنانيين بالدعاء والرغبة والأمل في ان نبقى جميعاً حرصاء على هذا الوطن لبنان، حرصاء على وحدته أرضاً وشعباً ومؤسسات، حرصاء على ان نبقى بمنأى عن كل ما يفرق ويباعد، وندرك ان أي خطر يتهدد لبنان يمكن امتصاصه طالما نحن موحدين في الكلمة وفي الممارسة. إن حرصنا على العيش المشترك وعلى المصير المشترك، وعلى الوحدة الوطنية نابع من قناعة ومن تعاليم ديننا، ومن وعينا الى ان الخطر الحقيقي الذي يتهدد لبنان، مهما كان، وأيا كان، يبقى لا شيء أمام الأخطار الحقيقية التي تهدد لبنان من الداخل في وحدة أرضه وشعبه ومؤسساته.