ليس أصعب على أمبراطور أو سلطان أو ملك أو رئيس وصلت إليه الكرسي بالوراثة أو وصل إليها ويتربع فيها بغير استحقاق، أن يترك القصور والتكايا والزوايا والخفايا والصناديق والأرصدة والخدم والحشم والحرم، والمطبلين والمزمرين والزقيفة والخطبجية والشبييحة والبلطجية ، وجميع من ينتسب إليه في أوكار المخابرات وعند أبواب المعتقلات وعلى سماعات التنصت .
ليس أصعب على متسلّط مستملِك أن يُصبح فجأة غريباً عن المكان وتائهاً في الزمان، ينظر مودِّعاً بشيء من الحنان إلى السقف والجدران التي لم يمعن فيها النظر مرة، ويتمعن بعتبات الأبواب بفيض من الحنين، وقد عبرها آلاف المرات من دون أن يعرها اهتماماً، ويحملق في الثريات والبلاط الرخامي، الذي لم يكن ليصفه جيداً لو سئل عنه قبل اليوم .
أجل، ولسان حاله يقول: أيُعقل، أنا الحاكم بأمره، وبعدما كنت أنقل الجبال وألغي الأسماء وأمحو التاريخ، أن أغادر بهذه البساطة هذا العالم الذي صنعته لنفسي بنفسي؟! كان البلد أشبه بحقيبة أحملها وأحمِّلها حيثما ذهبت، وأفتحها وأقفلها ساعة أشاء، فإذ “بسيادتي” أُصبحتُ مختصراً بحقيبة لا أجد من يحملها لي، إلا بموجب بند في التسوية؟!
ليس أصعب على من كان يُهتف له بالروح بالدم، ومن كان “يسوكر” بقاءه قائداً إلى الأبد، ومن كان يفوز بـ99,99 % من الأصوات، أن يودع بلداً كان كالسوار في يده، والخاتم في إصبعه، والخلخال في قدم زوجته، واللعبة في حاضنة أطفاله .
إنها حالة تواجه الديكتاتوريين الأوتوقراطيين الذين يختلف تفاعلهم معها، لكن النتائج غالباً إن لم تكن دائماً تكون مأساوية !
البعض يفضل الإنتحار كأدولف هتلر الذي أقدم عليه بنزق ودم بارد وبمتعة من يمزمز موته .
البعض يفضل الهرب، ولو كان الملجأ حفرة أو كهفاً كصدام والقذافي، ولمل لا ؟ قد يكون الملجأ سفارة !
البعض الثالث يستسلم بهدوء وأحياناً مع ابتسامة تهكم .
والبعض الرابع يفضل المقاومة طمعاً بلقب شهيد يقتصر الاعتراف به أو يكاد على سكرتيره الخاص الفاشل .
أمام بشار الأسد اليوم تابلو بصور وأسماء يرسم حولها دوائر الشك ، بعدما كان يتسلى بتصنيفها . وأمامه أيضاً متسع من الوقت ليرسم المصير الذي يتاح له بيده .
مرحلة انتقالية؟ سلطة محدودة؟ جنيف ؟ تسوية أميركية روسية؟ النتيجة واحدة .
أكبر أمنياته أن يبقى في دمشق، أو في اللاذقية إذا زنّقت! أو على الاقل أن يعيش معززاً مكرماً في داتشا، أي في منزل خشبي للاستراحة في الريف الروسي.
*********
أما عندنا في القطر اللبناني، في الإقليم اللبناني، في الفدرالية الفينيقية، فما زال العديد من الديونجية والموالي وغلمان السياسة وخصيان التبعية يبعطون أملاً في ألا يسقط ولي أمرهم وجلاّدُهم في آن واحد. فالأزلام بحسب الديونطولوجيا البعثوية، هم من يخشاكَ ويحبُّك في الوقت عينه، فينفذ ما تشاء من دون نقاش ويربط مصيره الكياني بك، حتى ولو اقتضى الأمر أن يرتضي تنفيذ مهمات وسخة جداً وربما قاتلة له.
ولذلك، فإن طاحونة الكذب التي يديرها هؤلاء من أساطين 8 آذار وأدعياء القداسة المسيحية والروح المسيحانية، يمكنها بكل بساطة أن تجعل من نظام بشار خشبة الخلاص، ولو أن مساميرها صدئة وسامة وتدمي الأيادي، ولكن لا مناص من التمسك بها.
كما يمكن لطاحونة الكذب تلك أن تصوّر معلولا مدمرة والنيران تلتهم كنائسها، فيما لم يبق أحد من أهلها بعدما أبادتهم جبهة النصرة. مع أن الحقيقة المرة، هي أن جيش النظام السوري تعمد عدم توفير الحماية الكافية للبلدة، إذ اكتفى بحاجز عند مدخلها، واستدرج الجيش الحر إليها، وراح على الأثر يوجه مدافعه ومضاداته إلى البلدة وأديرتها ليفتعل معركة – مجزرة.
يتهم التكفيريين بها، لكن النتيجة كانت انسحاب الجيش الحر بعدما أدرك حقيقة الفخ، ليحرم بشار من حفلة دجل أخرى كان يراهن عليها ليغطي مقتلة الأطفال في الغوطة.
أخيراً، ليتكم تتصفحون ما أورده موقع صحيفة لوفيغارو بالأمس من مواقف لافتة لأسقف مدينة أنغوليم الفرنسية في حديث لراديو نوتردام الكاثوليكي، وفيه يُدين الكذب الدائم للنظام السوري، ولا سيما في ما خص بلدة معلولا التي استغل ما حصل فيها دعائياً لمصلحته، ولم يتردد الاسقف الفرنسي في استهجان ارتباط بعض كبار رجال الدين المسيحيين بهذا النظام على أكثر من صعيد. كيرياليسون. والسلام.
