#adsense

من اغتيال الحريري إلى 7 أيار والكيماوي: الموت متعدد والقاتل واحد!

حجم الخط

كل القتلة “أبرياء” حتى تثبت ادانتهم. لكن عندنا، حتى عندما تثبت ادانتهم يزدادون براءة ونصاعة وحتى قداسة، هذا اذا لم يبق “الفاعل” “مجهولاً” او في صيغة المعلوم المجهول، وأحياناً كثيرة يُصبح الضحية هو قاتل نفسه، فيتهم بجريمة قتل نفسه، من قبل الجناة أنفسهم. وإذا “رَحَبَتْ التحقيقات وتشعبت، وحضرت الأدلة، عندها يكون للتضليل وسائله الفاعلة. أوليس هذا ما عرفناه عندما اغتيل الزعيم كمال جنبلاط (واصطّف القتلة يتقبلون التعازي به)، وكذلك الشيح صبحي الصالح وحسين مروة ومهدي عامل، والرئيس رينه معوض (قاتلوه سمّوا الشارع حيث اغتيل بإسمه. فيا لمروؤتهم!) وصولاً إلى الرئيس الشهيد رفيق الحريري وشهداء 14 آذار ووسام الحسن آخر المنضمين إلى لائحة الشهداء.

يحدث في سوريا منذ سنتين ونصف السنة، وعلى نطاق المجازر الجماعية، ما حدث في لبنان في أمور المحاكمات والمتهمين. وبالعقلية التي ارتكب فيها النظام عندنا في لبنان مقتلاته، أي عقلية الغدر ثم التبرؤ، ها هي مجزرة الكيماوي تحصد 1450 ضحية بينهم 500 طفل. ليعود النظام وحليفه حزب “الدم” الجاري إلى اتهام الضحية وتهديد الناجين. انه الدرس المبين، درس الطغاة الذين يبنون سلطتهم على الدم… ثمَّ يتكلمون عن الحياة والازدهار والمقاومة والممانعة وحتى عن الديموقراطية والمثل العليا لكي لا نقول عن الايمان والورع والدنيا والآخرة… والله الذي “على كل شيء قدير”.

ولدى متابعتنا وقائع ما جرى، والنتائج التي توصل إليها مفتشو الأمم المتحدة من استخدام السارين وسواه ضد الشعب السوري، ها هو النظام، يُشغلُ أدواتِه الاعلامية ليتهم المعارضة بقتل ناسها! فالمعارضة “تمتلك” الكيماوي واستخدمته والنظام العفيف النظيف، الانساني، يمتلكه ولا يستخدمه! ولماذا لا نقول ان النظام يمتلك صواريخ “سكود” والبراميل المتفجرة ولا يستخدمها (رفقاً وحباً بشعبه 99،99) والمعارضة تمتلك كل ذلك (ربما الطائرة غير المرئية أيضاً) وتوجهها إلى ناسها! أكثر: النظام يمتلك كل الأسلحة الثقيلة الفتاكة من دبابات ومدافع… ويخجل أمام الانسانية وضميره (وهو نظام الخجل!) من أن يدمر المدن والقرى والجسور ومحطات الكهرباء والأحياء بينما تمتلك المعارضة مثل هذه الوسائل لكنها استعملتها والدليل (كما يقول مرتزقة النظام والحزب الالهي) هي التي ضربت البنيات التحتية (مليون منزل دُمر) لأنها تربّت على الاجرام، بينما هبط النظام من علياء الشهامة والانسانية والوطنية ولا سيما حزب الايمان!
ونعود لنتذكر عندما اغتال النظام وبقرار إيراني وتنفيذ حزبي الشهيد الرئيس الحريري ذرفوا كلهم دموع التماسيح والافاعي والعقارب، وراحوا يضللون: “أبو عدس” هو المنفّذ. ثم اختفى “ابو عدس” وتسجيلاته. ثم الحجاج الاستراليون (سُنّة) ثم تبخرت الاتهامات. ثم ان سعد الحريري قتل والده ليرثه. او كما قال ميشال عون (وبعدما اتهم النظام السوري بالجريمة) ان الحريري قُتل بسبب خلافات مع بعض الأطراف. وأخيراً، وبعد عبور هذه الأضاليل استقر رأي ايران وسوريا (وبالطبع حزب الله) على اعتماد ان من اغتال الحريري هو اسرائيل! رحلة طويلة من النفاق والكذب. (وما أجمل المجرمين عندما يرتدون لباس البراءة). وهذا ما تكرر مع حلقات قتل رموز 14 آذار. قال ميشال عون مثلاً ان الشهيد جبران تويني (كل يوم بيغير رأيو) ورد عليه والد الشهيد الراحل الكبير غسان تويني آنئذ “هذا الرجل بلا دم”! وبما ان هذا الجنرال ينصر “حزب الله” ظالماً أو مظلوماً فانه أفتى باغتيال شهيد المقاومة الوطنية و14 آذار جورج حاوي بأن عند هذا الأخير علاقات ومشاكل كثيرة… وهي السبب. وكذلك عندما اغتيل الشهيد سمير قصير فقد فسّر ميشال عون بأن الجريمة لأسباب شخصية… وذهب بعضهم إلى اتهام وليد جنبلاط بتصفية سمير قصير! حتى عندما قتل أحدُ مجرمي “حزب الله” في سُجد الطيار الشهيد سامر حنا صرخ عون غاضباً “وشو كان عميعمل هونيك أي في الجنوب سامر حنا” . أي ان وجوده في “جمهورية إيران الجنوبية” يستحق عليه الاعدام. واليوم راح اعلام 8 آذار “يكشف” ان قوى الأمن هي متهمة بتفجيرات طرابلس امام المسجدين! وفي المقابل لم يجرؤ هذا الحزب ان يُلمح ولو بالاشارة إلى التفجير الذي ضرب الضاحية وبدا من دلائل ان النظام السوري وراءه. تماماً عندما ابتلع لسانه وأصابعه المشهورة على اللبنانيين العُزل عندما اعدم النظام السوري 17 عنصراً من عناصره. (وتقولون انه ليس حزباً شجاعاً ومغواراً… وصنديداً بل في الأصل رعديد!) اليوم مسلسل الكذب والتضليل لا يزال شغالاًَ: قرر مفتشو الأمم المتحدة بالأدلة الدامغة ان النظام هو الذي اطلق الكيماوي على شعبه (عافية عملاء النظام والحزب جيدة، ووجوههم تنضح بالصحة والرفاهية وجيوبهم ملأى بدم أهلهم). وان التقارير التي قدمها المفتشون غير صحيحة. وسياسية ومنحازة ووراءها أميركا والغرب واسرائيل! أو ليس هذا ما اوردوه بشأن قرارات المحكمة الدولية واتهامها عناصر من الحزب بالاشتراك بقتل الحريري: غير صحيحة وسياسية ومنحازة ووراءها أميركا واسرائيل. وعليه فان الحزب (البلية العظمى على لبنان والمنطقة جعل من المتهمين الأربعة “ابطالاً” وخبأهم في جمهوريته الإيرانية. أكثر: هذا الحزب الفاسد الم يُخفِ أيضاَ “أبطال” الأدوية الفاسدة واللحوم المنتنة ومصانع المخدرات… وكأنه شريك في هذه الجرائم . أكثر: هذا الحزب ضغط بسلاحه وارهابه على القضاء لتبرئة احدهم من محاولة احراق تلفزيون “الجديد”! كل هذا يجعلنا لا نفاجأ بمواقف هذا الحزب الذي تربى (كما تتربى الأجهزة والغستابو على القوة والظلم والتضليل..). فيا للتشابه الرائع، بين خريجي الجامعات الاستبدادبة وعرف وأنفاق المخابرات في سوريا وروسيا وايران: انهم من جبّلة واحدة. ويكفي ان تسمع محطة “المنار” المظلمة والجهنمية، وكذلك وسائل اعلام 8 أيار حتى تكتشف إلى أي مدى يمكن ان تصل الأمور بهؤلاء إلى درجات التواطؤ الواطئة، وأسافله: بلا حس انساني، ولا وطني ولا اجتماعي ولا ديني؛ فكيف يتحوّل هؤلاء المرتزقة ما يشبه الكائنات المعدنية المطاطية المنفوخة بكلامها المنفوخ. فلم يمس مقتل 1450 إنساناً في سوريا، لا قلوبهم ولا انسانيتهم، ولرؤى الأطفال الملفوفين والمرميين قتلى… لم يعنِ لهم سوى الشعور بالانتصار. انتصار بالكيماوي على ناس عزل. وعندما نشاهد بعضهم على التلفزيونات يتكلمون على الكيماوي، تُحس كم تحسنت أوضاعهم النفسية وغَلُظت رقابهم من كثرة العَلْف وموت الداخل وخواء الروح. حتى لتتساءل: اهؤلاء بشريون ام غير بشريين. فيا لكؤوس النصر المبين التي تجرعوها احتفالاً بمقتل ضحايا الكيماوي، وكأن دماء هؤلاء الأطفال باتت أمصالاً في عروقهم! ومنطقهم الداخلي واللفظي يقول: ننتصر لأننا مهما ارتكبنا من جرائم ضد الانسانية فنحن فوق المحاسبة. وعندما يحكون “سياسة” يتقيأون مواقف من مثل ان التكفيريين هم الذين اطلقوا الصواريخ. (جميلة تبرئة ذُمم من لا ذمة لديهم!) ونظن ان الانتصار الالهي والدنيوي والغيبي المبشر بجنات تجري من تحتها الانهار ويسيل فيها الذهب تجلى عندما أجّل كونفوشيوس البيت الأبيض اوباما الضربة العسكرية على النظام السوري. هتفوا: انتصرنا! انتصرنا! هزمنا الأميركان وفرنسا وبريطانيا والمعارضة والعالم… وحدَنا! تراجع أوباما لأنه خاف من “المقاومة” هناك! وخاف من مواجهة الجيش السوري المهلهل! رفعوا أصابع النصر الجاهزة للرفع حتى في مناماتهم تماماً كما رفعوا بعد حرب تموز التي لم يسجلوا فيها اي اختراق على الأرض بل كلفت لبنان مليون نازح و3470 قتيلاً وجريحاً ومليارات الدولارات من الدمار مقابل 70 قتيلاً من الجيش الاسرائيلي وأقل من بضعة ملايين من الخسائر المادية. خرجت اصابعهم من الانفاق لتعلن النصر (والسؤال كيف يهدد حزب الله بالحروب ولم يبن اي ملجأ في الجنوب. بنى ملاجئ المقاتلين تحت الأرض وترك أهله في العراء أكثر من عُزّل بسبب انه “يطلب الدم” و”الشهادة”… من الناس، ليتاجر بهما! فليكن المدنيون ضحايا “الواجب” وليُهجّروا… ما دام مقاتلوه تحت تاسع أرض! فليخسر لبنان شعباً واقتصاداً وضحايا… وليربح الحزب. الحزب اهم من لبنان، تماماً كما اعلن النظام البعثي بعد هزيمة 1967… انهم احبطوا المؤامرة لاسقاط النظام فانتصروا، ولو ذهب الجولان كما ذهبت اسكندرون: فهو اعتاد ترك الأرض والتمسك بالسلطة! رائع! “يكون هيك النضال أو بلا!” أوليس هذا هو “الفعل الاستراتيجي” للنظام. دعوا الجولان لمن احتل الجولان… واتركوا الحكم لمن انفرقع عن الجولان. وهذا ما يجعلنا نتأكد ان النظام اليوم قد تخلى عن الحكم الفعلي، وسلم القرارات الأساسية لايران وسوريا : فمن التخلي عن الأرض إلى التخلي عن السيادة… وربما غداً قد يتخلى عن وحدة البلاد ويحتفظ لنفسه بـ”حكم” ذاتي من ضمن تقسيم البلاد تقسيماً مذهبياًُ! فله قرار المجازر والكيماوي والسكود (كتكتيك) ولايران القرار المصيري. فكأنما ما اقترفه هذا النظام على امتداد وصايته على لبنان… ها هو يتجرّعه: لا جيش، لا سيادة لا وحدة… لا قرار. خوف، رعب، يأس. أو لم يكن اللبنانيون على هذا المنوال؟ ومع هذا ما زال ينتحل “الممانعة” انتحال حزب خامنئي في لبنان “المقاومة” . بعدها لا من ممانعة ولا من مقاومة… ولا من يقاومون. اكثر فهذه الشراذم الفارسية ضاعفت عبثها بلبنان. وجنونها وضاعفت جرائمها في سوريا: الانتصار الذي احتفل به في القصير أو انتصار على قرية صغيرة. لكن من نتائجه تهجير قسري للاهالي (المدرسة الاسرائيلية) ونهب المنازل وسرقة الابواب والمحال والموجودات. من نهب القصير يا حزب الله، واين المسروقات. يذكرنا بالميليشيات الماضية التي ما كانت “تنتصر” في مكان حتى لا تُبقي منه شيئا: لا أبواب ولا شبابيك ولا سيارات ولا محال ولا مصانع .. انها المدرسة الموصوفة تبناها الحزب كذلك في الجنوب: صادر المشاعات وبنى على املاك الغير وتاجر بالاراضي ومع هذا فهو حزب الايمان والأيدي النظيفة والأمانة والترفع! وكل هذه من خلائق المقاومة أو الأحرى من خلائق “الغزوات” القبلية الجاهلية: والحزب هو أكثر الأحزاب جاهلية في هذه المنطقة. نورد بعض احداث وممارسات لنضيء جيداً على هذه الأحزاب التابعة للأنظمة الطغاة ومن مراتب الميليشيات او الغستابو.. وكيف تماهت كلها بطبيعة ولاتها، وأولياء أمورها. وهذه المعاودة من أول الحروب في 1975 وحتى اليوم، تُظهر لنا مدى تنصّل هؤلاء من أي قيم وطنية وبشرية ودينية. فتهم تقريباً انفسهم مثلاً لعبوا ادوار القتل في لبنان: تل الزعتر وحرب المخيمات، 7 أيار، وادوار الخضوع لأوامر الخارج، من محاولة لتدمير الكيان اللبناني والدولة والمؤسسات ووحدة البلد. إلى “التسلط” على اللبنانيين بسلاح الخارج وأمواله. فمن اذكاء المذهبية على امتداد المنطقة العربية (بإيعاز وتخطيط من ايران وسوريا واسرائيل في ما يسمى الهلال الصهيوني الذي كسره الربيع العربي) فالى الاغتيالات، على غرار النظام الايراني الذي استمر في القتل والاغتيال والقمع. وكذلك النظام السوري (وتابعاه الليبي والعراقي) الى نظام بوتين مدنس سيادة جورجيا ومحتل بعض محافظاتها ومرتكب مجرزة الشيشان.

اليوم، يجتمع هؤلاء في رزمة سوداء دموية واحدة في قتل الشعب السوري، واستخدام الأسلحة المحظورة.. وتسفيه دور مجلس الأمن. والتشكيك بنتائج التحقيق الذي رفعه مفتشو الأمم المتحدة… واتهام الضحية بجريمة القاتل. انها اللعبة التي عرفناها بوجوه وسحن منها من سقط ومنها في طريقه الى السقوط؛ انها مدرسة القتل الجماعي والاغتيال والتواطؤ: تذكروا كم قتل النظام السوري و”حزب الله” (وقبلهما ميليشيات السبعينات) من رموز وناس، وكيف تمت تبرئتهم!

لكن اليوم مختلف كثيراً: فالكلمة الأخيرة لم تعد لأوباما ولا لبوتين ولا لخامنئي ولا لبشار الأسد.
الكلمة للشعب! الشعب الذي يخوض معركته ضد أنظمة الاستبداد والقتل! والكلمة للتاريخ!

وهؤلاء جماعات الكيماوي وبتوع الانتصارات المستعارة والارادات المأجورة.. صاروا خارج التاريخ! تماماً…
وها هم يلهثون خلف جرائمهم وها هي المحاكم تنتظرهم لتحاسبهم على ما ارتكبوه، خصوصاً الجرائم ضد الانسانية!
وإن غداً لناظره قريب!

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل