كيف لا وخيار الحرب في الدولة لم يعُد ولم يكُن إلّا نادراً محصوراً في يد الحكومة، كيف لا والحوادث المُتنقّلة من مُتفجّرات وعبوات وانفجارات وحمل السلاح والأمن الذاتي آخذة في التمدّد هنا وهناك. كيف لا وتأليف الحكومة يقف عند حَدّ التهديد والوعيد إذا شُكِّلت من دون رضى أهل السلاح ومُباركتهم، كيف لا والقبض على مُقدِّرات البلد السياسيّة والخدماتيّة ومرافق النقل والاتّصالات وبعض المؤسّسات الأمنيّة الرسميّة وكثير من المناطق تكاد تكون مناطق حرب، كيف لا والمؤسّسات الدستوريّة في الدولة مُعطّلة، والسُلطة التشريعيّة تترنّح في جلسات لا تنعقد ونشاط مُنعدم، وحكومة طال تصريفها للأعمال، ورئيس مكلّف لا يمكنه أن يؤلّف، ورئيس للبلاد يُرَدّ على دفاعه عن مقوّمات البلد ووحدة أرضه وشعبه ومؤسّساته بقصف صاروخيّ. كيف لا وقد طلب البعض من اللبنانيين الذهاب إلى سوريا للمنازلة هناك، كيف لا وبعض اللبنانيين يُوزِّع “البقلاوى” إذا تقدّم خطوة هناك، والبعض الآخر يموت إذا ذهب الى الصلاة، كيف لا والخطف مستشرٍ. كيف لا ونصف الشعب اللبناني ينتظر الضربة العسكريّة لسوريا ويحزن للحلّ الديبلوماسي، والنصف الآخر يراهن على عدم حصول الضربة وعلى استمرار بطش وسيطرة الحلف المعارض الممانع في جبلٍ من الورق أو من القوة التي تزيد من مأساة شعوب المنطقة. كيف لا وبعض الجرائم تُكشف بسهولة وأخرى تَبقى الأجهزة الأمنيّة عاجزة عن كشف خفاياها، لأنّ مُرتكبيها على مقدارٍ عالٍ من المهنيّة الإجراميّة.
كيف لا، وقد أُفرغت معظم مؤسسات البلاد التي بقي منها مؤسسة رئاسة الجمهورية التي يُظهِر سباق التفريغ المتعمّد أنّ الفراغ سيطاولها. ويبدو أنّ المطلوب هو بقاء هذه الحكومة للإمساك بوزارتَي الخارجية والدفاع، وما همّ القوى العاملة على الإفراغ إن حصل الفراغ، طالما أنّه يندرج في إطار تحقيق مصالحها العالقة بمُستقبل الأزمة السوريّة المربوطة بطهران والتي لا ينتهي ربطها في بيروت.
نعم، نعيش اليوم في خضمّ الحرب المُقنّعة التي قزّمت مجدّداً أحلام اللبنانيين وجعلت آمالهم تتلاشى، هُم الذين اعتادوا العيشَ في انفصام دائم بين السلم والحرب.
ألم يقل ميشال شيحا: “يُخطئ مَن يعتقد أنّ مُشكلات لبنان ستنتهي ذات يوم”؟ وعلى رغم تجربة الحرب الأهلية الأليمة، جاء اليوم من يغذّي هذه النظرية ويستولد أفظع المشكلات فيه وهي براثن الحرب الأهلية، إذ تكرّرت تجربة الارتهان لمشاريع أو كيانات أو أحلاف لا تمتّ إلى الأسباب التي نشأ من أجلها لبنان بصلة، ولا إلى مشروع الدولة اللبنانية التي تتأرجح دائماً تحت خطر السقوط.