#adsense

إذا إنتهت «سوريا السابقة» فـ«لبنان السابق» ينتهي معها!

حجم الخط

بينَ الأساطير اللبنانية، واحدة تقول: إنّ لبنان مغطّى بمظلة إقليمية – دولية سميكة. ولذلك، لا خوف عليه من عواصف «الربيع العربي» مهما عنفت. كيف؟ لماذا؟ لا تبريرات كافية للإقناع. لكنّ البعض يحب المراهنة على… الأساطير، كما المراهنة على الأساطيل!

ثمّة علامات جديدة ظهرت في المشهد اللبناني تستدعي التفكير:

1 – الإنخراط المباشر لقوى لبنانية في الحرب الأهلية السورية، بحيث يبدو إنتصارها أو هزيمتها إنتصاراً أو هزيمة لفئات لبنانية في مواجهة فئات سورية، أو لفئات سورية في مواجهة فئات لبنانية. وفي أيّ حال، هناك “معارك خفيّة” للسوريين على أرض لبنانية، في موازاة معارك اللبنانيين على الأرض السورية. فالمعارك والمَحاور تتقاطع، والمقاتلون يتداخلون، والحدود فلتانة لهم وللاجئين على السواء: أين يبدأ لبنان وأين تنتهي سوريا؟!

2 – إنطلاق المرحلة الثانية من الأمن الذاتي. في الأولى كان حزبيّاً “فاقعاً”. وقد تحوّل أمناً رسمياً بالوكالة عن الأمن الحزبي… للتعذّر.

3 – التعطيل الكامل للمؤسسات الدستورية، أي السلطات الثلاث والأجهزة الإدارية والعسكرية والأمنية.

4 – التردّي القاتل إقتصادياً وإجتماعياً، في ظلّ إنعدام الأفق.

هذه العلامات أدخلت الواقع اللبناني في القلق. وربما كانت الأحداث الكبرى التي بدأت في شباط 2005، أي بإغتيال الرئيس رفيق الحريري، مجرّد تمهيد لبناني للمتغيرات الآتية إلى لبنان والمنطقة.

ووسط هذا التداخل، يمكن القول: إذا كانت سوريا ستتغيَّر، فإنّ دولاً أخرى في المنطقة، ولبنان بينها، سيتغيَّر أيضاً. ويزداد الإقتناع بأن الحرب القائمة حالياً في سوريا مستمرة حتى تستنفد أهدافها. ولذلك، لن يسقط الرئيس بشّار الأسد ولن تُهزَم المعارضة في المدى المنظور.

ويفضّل الأسد، إذا إضطره الأمر، أن يستمرّ حاكماً لجزء من سوريا إذا فشل في الحفاظ على الكل. أما معارضوه، بتلاوينهم المختلفة، فلا يضيرهم أيضاً تثبيت نفوذهم على جزء من سوريا، على أمل السيطرة على الكل.

وهكذا تبدأ سوريا بالتغيُّر. وفيما يُرسَم مصيرُها ومصير الدول التي رسم الإنتداب الفرنسي كياناتها، يبدو لبنان على لائحة الدول المنكوبة أيضاً، ولو كابَر الكثيرون.

ويبدو “حزب الله” مرتاحاً إلى أنّ قتاله في سوريا لن يؤدّي إلى خراب التركيبة اللبنانية. فهو عرَّض هذه التركيبة للتجارب في تموز 2006 وأيار 2007 وسواهما، فصمَدت. ولذلك، هو مطمئنّ إلى أنه يخوض معركة قد يربح فيها سوريا من دون أن يخسر لبنان. لكنّ هذه المغامرة قد تتحوّل كارثة في مرحلة لاحقة.

واللافت أنّ خصوم “الحزب” يشاركونه الإطمئنان إلى التركيبة. ويقولون: عاش لبنان حرباً أهلية قاسية لـ15 عاماً، وهو منذ ربع قرن يواجه الحروب الصغيرة. ولم يرحمه أعداؤه الإسرائيليّون ولا أشقاؤه العرب، بل جعلوه المكبَّ الذي فيه يتخلّصون من متاعبهم ومُتعِبيهم، وصندوقَ الرسائل القذرة، قبل أن تبدأ الجراثيم بإلتهام أصحابها!

ووفق هؤلاء، لو كان لبنان مرشحاً للتقسيم لتَقسَّم، ولو كان معرّضاً للذوبان في كيانات أخرى لانتهى. وفي تقديرهم أنّ لبنان، على علاّته، هو الأفضل بين أشقائه. إنه أفضل من سوريا بالتأكيد، لكنه أيضاً أفضل من آخرين سيَعبُرون الطريق السوري أيضاً، ولو بعد حين. فلبنان يشبه اليوم حطبة أحرَقتها الحروب وإستنفدتها وأحالتها رماداً. هل يحترق الرماد؟

هل هذه الصورة واقعية؟

على أبواب تغيير شرق أوسطي ستفرج عنه الحرب في سوريا، المعلومات والتحليلات المتداولة في أوساط لبنانية عدّة بدأت تتقاطع: لبنان مرشح للتغيير أيضاً. إنه جزء من موزاييك الشرق الأوسط، وليس في كوكب آخر. ويمكن أن يتمزّق الغطاء الدولي فوق لبنان تدريجاً، كما طبقة الأوزون، بسبب التلوّث الإقليمي.

وإذا لم تعد “سوريا السابقة” إلى الحياة، فالأرجح أنّ “لبنان السابق” لن يعود أيضاً. فالتداخل الجيوسياسي بين البلدين قوي جداً، وزاده ترسيخاً تورُّط اللبنانيين في الحرب.

إنها حقاً وحدة المسار والمصير. لم تتحقَّق في الزمن السوري في لبنان، لكنّ الزمن اللبناني في سوريا قد يتكفّل بتحقيقها!

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل