وحتى لا يحاصر السابع من أيار ما تبقّى من فرصة كبرى تمثّلت بانتخاب سليمان، فإنَّ قوى سياسية كثيرة، والأهم، القطاعات الاقتصادية والنقابية التي تشهد على كارثة آتية، تدعو رئيس الجمهورية والرئيس المكلّف تمّام سلام إلى البتّ في تأليف الحكومة السياسية التي تخلو من الثلث المعطل، وتسحب الذرائع الميثاقية من التداول بفعل قبول الجميع بالمشاركة، على قاعدة أن يكون كلٌّ من سليمان وسلام الضامن لعمل الحكومة وسلامة توجّهاتها وعدم انحرافها إلى التعطيل من داخلها، أسوةً بكلّ ما حصل منذ العام 2005 وحتّى الآن.
بدأت ولاية رئيس الجمهورية بانتخابه بعد عملية السابع من أيار، وكانت نتيجة لها، ولم يكن قائد الجيش ميشال سليمان في موقع القادر على وقف هذه العملية، لكنّه رفضها. ولم يتغيّر نهج سليمان منذ العام 2008 إلى اليوم، فهو رفض الكثير من الممارسات، لكنّ توازنات المعادلة الداخلية والإقليمية، منَعت مرّة ثانية وقف التجاوز المستمر الذي فكَّك أوصال الدولة، فكان إسقاط حكومة الرئيس سعد الحريري أحد أبرز وجوه هذا التفكّك، واستُعمل الوزير الملك الذي أودِع لدى رئيس الجمهورية، معبراً لإسقاط حكومة تفاهم الدوحة، على مرأى من سليمان، ومن الأطراف العربية الضامنة التي شاركت في الدوحة.
ستكون زيارة نيويورك فرصة لا بأس بها لمحاولة اصطياد تفاهم الحد الأدنى الذي يفرج عن ولادة الحكومة، فاللقاءات مع رؤساء دول العالم، ومن ضمنها التواصل المتوقّع مع الرئيس الإيراني حسن روحاني، ستعطي المؤشّر إلى احتمال انعكاس الاتفاق الروسي – الأميركي لبنانياً بتأليف حكومة جديدة. وفي هذا الإطار، لا تستبعد مراجع سياسية مطّلعة هذا الاحتمال، مع أنّه ما زال ضعيفاً، فالفراغ الحكومي بات يُهدّد الاستقرار الهشّ، الذي لا تزال أكثر من عاصمة دولية وعربية وإقليمية تحرص على عدم المساس به.
تؤكّد أكثر من جهة معنية بتأليف الحكومة، أنّ رئيس الجمهورية ليس قادراً على الانتظار، وأنّه حدَّد خطّاً أحمر زمنيّاً للتأليف، وأبلغ إلى كلّ الأطراف أنّه لن ينتظر حتى نهاية ولايته. وتشير هذه الجهات إلى أنّ سليمان سيُجري بعد عودته من نيويورك مشاورات سريعة مع سلام، لوضع حكومة الثلاث ثمانات السياسية على الطاولة، معتبرةً أنّ “حزب الله” أصبح الطرف الوحيد الذي يرفض هذه الحكومة، وأنّ رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي يميل أكثر إلى النقاش في الموضوع الحكومي، خصوصاً بعد موافقة الحريري على مبدأ “الثلاث ثمانات”. فبرّي يرى في تأليف الحكومة وإطلاق الحوار ضمانةً لعدم التوغّل أكثر في وحول سوريا، وعودةً إلى ترتيب شبكة أمان داخلية، في هذه المرحلة الانتقالية الخطِرة.
وبالنسبة إلى موقف رئيس “جبهة النضال الوطني” النائب وليد جنبلاط، فهو يؤيّد تأليف الحكومة من دون الثلث المعطل، لكنّه يتهيَّب السير في أيّ خيار إذا قرَّر “حزب الله” مواجهة هذه الحكومة، ولن يوافق جنبلاط على المشاركة بأيّ حكومة، إلّا إذا شعر بأنّ معارضة الحزب لها ستقتصر على المعارضة السياسية، ولن تذهب في اتّجاه إحداث فوضى في الشارع، وهذا يعني بالحد الأدنى أن تكون الحكومة ميثاقية، أي مغطاة من برّي.
يصحّ في وصف ما بعد عودة سليمان من نيويورك، بأنّه الفرصة الأخيرة لتأليف الحكومة، فذهاب الأوضاع في اتجاه التأجيل مرّة ثانية، يجعل الكلام عن تأليف الحكومة في شباط أو آذار المقبلين من دون معنى حقيقي، لانشغال الجميع بالفراغ الرئاسي الآتي بعد الفراغ الحكومي الطويل.