لقد أمطرت أمس. هذا فألٌ حسن. عسى يكون المطر فاتحة خير على البلاد وأهلها، في مرحلةٍ، كلّ ما فيها لا يبشّر بالخير، بدءاً بالأقساط المدرسية وأسعار الكتب، وليس انتهاءً بانسداد الأفق السياسي، وانفلات حبل الأمن، فضلاً عن تفاقم أعداد اللاجئين السوريين الذين يعيشون مأساة كبرى، في ظروفٍ تخلو في الغالب الأعمّ من أسباب الكرامة. لكن ماذا لو أمطرت كثيراً، وأغرقت القرى والمدن والشوارع، واقتلعت خيم اللجوء المنصوبة، وجعلت هؤلاء اللاجئين يواجهون جحود السماء والأرض؟
لن أطالب بحلول تعجيزية، بل بحلول متواضعة، منها أننا نعرف جميعنا فصل المطر في لبنان، وأيّ حالٍ هي حال أقنية الصرف والمجارير، بعد تراكم الوحول والأوساخ والأتربة والمعوقات المختلفة طوال أشهر الصيف و… الإهمال. فلماذا لا تبدأ على الفور ورش ليلية (أشدد على كلمة “ليلية”، للحؤول دون استحداث أسباب إضافية للزحمة في أوقات الذروة النهارية)، في كل المناطق، لفتح هذه الأقنية، قبل أن يدهمنا الشتاء، بأمطاره الأولى، التي تكون في العادة ماجنة ومجنونة؟!
هذا اقتراح برسم وزارة الأشغال. أو بوزارة الداخلية. أو بالوزارات كلها. أو بنوّاب الأمة. لستُ أدري.
من الاقتراحات “الدنيا” أيضاً، ضرورة العمل على حلحلة أزمة السير. ولو، ارحمونا يا جماعة!
على سبيل “التنكيت”، أطالب بالإسراع في تأليف حكومة ترعى شؤون المواطنين، وتدير أمور الدولة العالقة، وتعيد بعضاً من أمان إلى النفوس القلقة. وإذا كانت أعيت الطبقةَ السياسية حتى الآن سبلُ تأليف حكومة من طريق وزراء ذكور، فلماذا لا يتم اللجوء إلى النساء، فتكون الحكومة نسائية مئة في المئة، رئيسة ووزيرات؟ ليس غمزاً من دولة الرئيس المكلّف بالطبع. لكن، لِمَ لا، جرِّبوا النساء هذه المرّة.
أريد، كما غيري، أن لا أيأس. إذا لم يكن من أجل الذات، فمن أجل أجيالنا المقبلة وأولادنا، الذين باتوا في غالبيتهم يفضّلون الهجرة على البقاء معلّقين بحبال الهواء في وطنٍ، سياسيوه وأمنيّوه عاجزون عن حمايته والنأي به عما يدهمه من أخطار، منظورة وغير منظورة، بعدما انعدمت فيهم القدرة على ابتداع الحلول للخروج من مستنقع العفن والمراوحة والموت.
نريد أن نعيش. لم يعد مسموحاً الاستمرار في ما نحن فيه. لقد يئسنا من اليأس. ويئسنا من الأمل. ويئسنا من الذلّ. ويئسنا من الموت اليومي البطيء. ويئسنا من الدوران في الحلقة المفرغة. ويئسنا من الشعور باللاجدوى.
نريد أن نعيش حياة طبيعية. هذه هي صرخة هذا المقال: أن نعيش بشكل طبيعي، بتواضع، لكن بفرح.