ما إن بدأ الحديث عن خطة لانتشار قوى أمنية رسمية في الضاحية الجنوبية، حتى واكبتها وبشكل منظم خطة من نوع آخر، تهدف الى تسويق الإجراء وكأنه منّة من “حزب الله” ومؤشراً لبداية نهاية تقصير مزمن من قبل الدولة، وذلك لغاية لدى قوى الأمر الواقع هناك والتي طالما تمسكت بالأمن الذاتي ومنع القوى الأمنية من القيام بمهامها في مربعها الأمني، وهي اصطياد أكثر من عصفور بحجر واحد.
والمؤسف أن الدولة بعينها وعبر المعنيين من جانبها بهذا الإنتشار، تساهم عن جهل أو عن قصد أو لإدعاء القدرة والإمساك بالقرار، بتسويق ما يحاول “حزب الله” إقناع الرأي العام به، من أن الخطة هي بقرار من السلطات الرسمية، وأن الحزب وبيئته يسهّلونها مضحين بامتيازات عدة ومتنازلين عن حقوق مكتسبة، في حين أن الواقع خلاف ذلك.
فبعد انفجار بئر العبد شدد “حزب الله” قبضته الأمنية لحماية الضاحية وسط معلومات انها ستكون مستهدفة بعمليات أخرى، لكن ذلك لم يمنع من اختراق القبضة الأمنية وتنفيذ عملية تفجير ثانية في منطقة الرويس، أدت الى سقوط عدد كبير من الضحايا والدمار، غير أن أثرها الأكبر كان في تداعي الجدار الذي كان يُعتقد أنه لا يخرق، وفي اهتزاز الثقة بقدرة الحزب على حماية ابنائه.
وعليه اضطر “حزب الله”، ورغم انشغاله في حوادث سوريا وقضايا أخرى تستنزف الكثير من طاقاته، الى حشد واستنفار قوى كبيرة لمنع اي استهداف آخر محتمل للضاحية. لكن كان بنتيجة ذلك أن واجه “الحزب” مجموعة معضلات أهمها:
– بداية تململ من القاطنين في المنطقة والمترددين اليها من الزحمة بسبب الحواجز والتدقيق بسيارات المارة وما ينتج عن ذلك من تعطيل للأعمال وتلف للأعصاب ينعكس في مستوى التأييد والدعم المعنوي للحزب من الرأي العام المؤيد والمناصر.
– استنزاف لقوى الحزب في وقت هو بحاجة إليها في امكنة أخرى. كما أن حشد أقصى القوى ممكن بالمنطق العسكري الميداني لفترة محددة ولكنه غير ممكن لأجل غير معروف، لأنه مع الوقت يفقد من جهوزيته وفعاليته واحتمال المستنفرين غير القادرين في مثل هذه الحال على الراحة وتجديد النشاط.
– الخشية رغم كل تلك الإجراءات وكلفتها العسكرية والمعنوية، من أن تتعرض الضاحية لخرق أمني آخر، ما يرتّب أثمانا سياسية كبيرة على الحزب.
من هنا كان بحث “حزب الله” عن مخرج لائق وقابل للإستثمار وقبل فوات الأوان، وهو سيناريو شبيه بما قام به إبان حرب تموز 2006 إذ صمد بشكل لافت بوجه آلة الحرب الإسرائيلية ولكن لفترة 33 يوماً كان يستحيل بعدها الإستمرار بالجهوزية نفسها، مما دفعه الى توسط الرئيس بري للعمل مع الرئيس السنيورة على إيجاد مخرج، فكان القرار 1701، والذي تم تصويره على أنه انتصار لـ”المقاومة” بكل المقاييس وتقصير من الدولة على كل المستويات.
واليوم وبعد الوصول إلى مأزق مماثل في الإمساك بأمن الضاحية، اضطر “حزب الله” الى اتخاذ خطوة مماثلة، فتمت دعوة القوى الأمنية الى تسلم الأمن في ذاك المربع الأمني المغلق، والذي كان محظرا على على أي دورية أمنية مهما صغر حجمها، أن تدخله بمهمة حتى من مستوى التحقق من مخالفة بناء، فكيف التمركز وتسلّم الأمن، ما يهدد الأمان الذي ينعم به مطلوبون للعدالة، ولا يقتصر هؤلاء طبعا على المتهمين الأربعة باغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري أو المتهم بالمشاركة بمحاولة اغتيال النائب بطرس حرب. وكانت أي دورية ترجم بالحجارة “من قبل الأهالي”، فما الذي جرى ليتم اليوم استقبال القوى الشرعية الداخلة الى الضاحية بالزهور والأرز المنثور؟
في الواقع، وحتى لا يلتبس الأمر على البعض، إن ما جرى هو باختصار حلقة جديدة من استراتيجية “حزب الله” الذي إن ازعجه وجود الدولة حاربها وطارد فلولها بحجة أنها متداعية الأساسات وهزيلة البنية ولا يمكن الإتكال عليها لتحقيق النصر المبين. وإن احتاجها، أدعى المثالية والتضحية بالمكتسبات من أجل مساعدتها على بسط سيادتها، وهو في الواقع يهدف اليوم من وراء خطة انتشار القوى الأمنية في الضاحية، كما عادته، الى اصطياد أكثر من عصفور بحجر واحد، ومنها:
– تأمين فسحة من الراحة لعناصره، من دون ان يكون ذلك على حساب تخليه كلياً عن الإمساك بأمن المنطقة، وإظها حسن نية وليونة سياسية في لحظة محلية وإقليمية حساسة وليونة في الموقف الإيراني تجاه الدول الكبرى، وهو ما يمكن تثميره في مكان آخر.
– قطع الطريق على من يكررون يومياً مقولة الأمن الذاتي من خصوم “حزب الله”، والحؤول دون نفاذهم من هذه الثغرة لتحقيق أي مكاسب لهم على حسابه، من دون أن يدفع مقابل ذلك تخليه عن أمن الضاحية.
– تحميل القوى الأمنية الرسمية مسؤولية “إزعاج” المواطنين على الحواجز وليس العناصر الحزبية.
– تحميل الدولة مسؤولية أي خرق أمني ممكن أن يحصل، (علما أنه قد يحصل أيا تكن القوى المولجة بالأمن)، والتفلّت من أي مسؤولية يمكن أن يطالب بها على هذا الصعيد بحجة أن الأمن لم يكن من مسؤوليته، ولو كان كذلك لمنع أي خرق.
محطة “المنار” وعشية انطلاق الخطة الأمنية، اعتبرت ان الخطوة متأخرة وتلام الدولة فيها على التأخير والتقصير. والسؤال هل كان مسموحاً للدولة أن تقوم بهذه الخطوة من قبل؟ وهل ما يحصل اليوم هو فعلا حضور للدولة في مكان من مساحة سيادتها كان محظراً عليها من قبل؟ وهل ترك الحزب للقيادات الأمنية أن تتصرف بما تراه مناسبا في اختيار الضباط والعناصر الذين سيكلفون بالمهمة، أم هو من اختار الأسماء وحدد الصلاحيات؟ وماذا عن الكلام أن عددا من عناصر “حزب الله” ما زالوا موجودين على الحواجز بغير لباسهم الحزبي، أو في خلفية الصورة للإبقاء على السيطرة على الوضع؟ وما هذا الدخول المطنطن به للدولة إذا كان لا يحق لها الإمساك بهارب من وجه القانون؟ وما سر الدخول المميز لجهاز الأمن العام على غير عادة؟
واستنادا الى ما قاله وزير الداخلية العميد مروان شربل من أن “مهمة القوى الداخلة الى الضاحية التدقيق على الحواجز وهي غير مخوّلة القيام بمداهمات”، يمكن الإستنتاج ان المطلوب من هذه القوى منع حصول أي تفجير آخر في الضاحية وليس بسط سلطة الدولة عليها، فإذا نجحت يكون الأمن قد توطد ويتاح لهم المجال لمهمات أخرى، وإذا فشلت تتحمل هي المسؤولية.
من هنا تكون مسألة هاجس التفجير خصوصاً بعد خرق الرويس، هي التي حوّلت الحجارة التي كانت تلقى على دوريات قوى الأمن وعلى موكب وزير الداخلية بالذات، إلى أرز وورود وتهليل استقبلت به القوى المنتشرة أمس. ويكون “حزب الله” قد كسب في الحالين ودائما على حساب الدولة. فمبروك للحزب و… نعيماً للدولة.