Site icon Lebanese Forces Official Website

حالة حصار

ثمة شيء مقلوب رأساً على عقب في خطة نشر القوى الأمنية اللبنانية في الضاحية الجنوبية.

يقول المسؤولون الحكوميون، وكررت قولهم عناوين الصحف البيروتية، إن الدولة «استعادت» الضاحية من قبضة الأمن الذاتي. وتقضي الخطة بتوزيع عناصر قوى الامن الداخلي على الحواجز والمعابر التي نصبها مسلحو «حزب الله» على مداخل المنطقة بعد التفجير الاجرامي في حي الرويس منتصف آب (أغسطس) الماضي، على أن تنكفئ العناصر الحزبية عن المشهد.

الابتهاج بعودة قوى الشرعية الى الضاحية يبدو مبرراً بعد الاشكالات اليومية بين المواطنين المتذمرين من «الأمن الذاتي». بيد أن السرور بالتراجع الظاهر للميليشيات المسلحة ورغبة الداخلين الى الضاحية بعدم الخضوع الى استجوابات لا داعي لها ولا معنى غير الاذلال واستعراض السطوة، يقابل بحقيقة بقيت بعيدة من الاحتفال الإعلامي وسدنته.

الدولة لم تستعد الضاحية من «الامن الذاتي». الحقيقة هي ان «الأمن الذاتي» هو الذي وظف مؤسسات الدولة لتنفيذ جدول اعماله. وما بدا كتسوية بين السلطة الشرعية وقوى الامر الواقع، هو في جوهره مقايضة بين شكل السيطرة الرسمية لسلطة منزوعة المخالب وبين تكريس التميز الأمني وبالتالي السياسي لمنطقة بعينها. والحال ان أحداً لا ينتظر من عناصر الامن الداخلي التدخل لفض الاشتباكات العائلية المسلحة الاسبوعية بين العشائر المتكالبة على النفوذ في الأزقة، على سبيل المثال.

السؤال الذي يطرح نفسه هنا: اذا كان الانفجار المذكور هو ما اباح انتشار الامن الذاتي المقنع بقناع القوى الرسمية، فلماذا لا تُطبق خطة مماثلة في طرابلس التي أصيبت بانفجارين اوقعا ربما ضعف عدد ضحايا الرويس؟ أما اذا كان الرد هو أن للضاحية «حساسية معينة» بسبب وجود قيادة «المقاومة» فيها، فذلك يستدعي سؤالاً آخر: عندما تنفي القيادة تلك مسؤولية اسرائيل، مبرر وجود «المقاومة»، عن الانفجار، ألا يجعل ذلك من كل المناطق اللبنانية الصافية طائفياً مهددة بالتفجيرات وتتطلب، تالياً، تعاملاً أمنياً استثنائياً؟

تقول البداهة إن على السلطات الرسمية حفظ أمن المواطنين بالتساوي في كل المناطق. هذه أولى مهمات أي سلطة سيادية. بيد أن ذلك يقود الى سؤال آخر: لمن السيادة؟

تعيد متاهة الأسئلة هذه التذكير بمقولة «حالة الاستثناء» وحالة الحصار. لقد فرض الفريق المسلح في الضاحية حصاراً عليها استناداً الى استثنائية المنطقة وأجواء القلعة المطوقة (الماسادا) التي يستهدفها العدو من كل صوب. ومن يسيطر على الضاحية اليوم لم يقدم لفتة واحدة عن رغبته في التخلي عن سيادته الفعلية على المكان وأهله. بل العكس هو الأصح.

ويدور الأمر كله ضمن تسليم عام بحق «حزب الله» في حفظ امن مناطقه ما يمهد لمطالب مشابهة من فئات أخرى ترى انها مهددة في وجودها، على ما بدأ يظهر من الاجراءات التي تفرضها بعض القرى المسيحية على اللاجئين السوريين، وعلى ما شهده موقعا المسجدين اللذين تعرضا الى التفجير في طرابلس الشهر الماضي حيث تُركت ساحتا الجريمة «للاهالي» يفعلون فيهما ما بدا لهم.

يخبرنا جورجيو أغامبان (في كتابه «حالة الاستثناء») كيفية تدرج هذه العملية وتحول الاستثناء الى مُسلّمة. وكيف تنتقل السلطات من هيئة الى هيئة ثانية وكيف تتبادل القوى الاجتماعية والسياسية الحق في الهيمنة والسيطرة. والحال ان ما نعاينه من انكفاء لمسلحين «غير شرعيين» أمام السلطة الرسمية، ليس في نهاية المطاف غير إعلان بقاء الاستثناء والحصار المفروضين على الضاحية، وموافقة «السلطة» عليهما.

Exit mobile version