مثلما انتهت حقبة “الحرب الباردة” بسقوط الاتحاد السوفياتي، فقد انتهت المرحلة الانتقالية “المريحة” التالية لها، التي كانت من علاماتها سهولة تشكيل الولايات المتحدة لائتلافات عسكرية تأديبية للنظام القائم في هذا البلد أو ذاك.
العالم دخل في حقبة جديدة “ما بعد بعد الحرب الباردة”. كلمة الرئيس الأميركي البارحة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة تعدّ بهذا المنظار محاولة، من موقعه على رأس بلاده، في وصف العالم اليوم، وتحديداً في ضوء المسألة السورية.
فهذه المسألة دليل على أنّ العالم غادر منطقة الحرب الباردة ولن يعود إليها. ليس صحيحاً أن هناك طرفاً موالياً لروسيا وآخر موالياً لأميركا يتصارعان في سوريا، وكل من الجبارين يراهن على حصانه، حتى ولو بدت الحال كهذه من وجهة النظر الروسية، أو عند مقاربة الدور الروسي. أميركا، وكل العالم، كان يفضّل بداية، لو أنّ النظام يستوعب الانتفاضة الشعبية ضدّه، خصوصاً وأنها انتفاضة تعني انتهاء قبول الأكثرية السنية، ومن ثم الإقليم السني عموماً، بالحكم العلوي، بصرف النظر عن إمكانية او آفاق استجماع هذه الأكثرية كجسم أساسي للاجتماع الوطني البديل، خصوصاً وأن ذلك يشترط مناعة لها بإزاء نوبات “الإقليم” نفسه.
إن تمادي النظام في القمع من دون طائل، من ناحية عجزه عن تصفية الانتفاضة، ثم اتساع دائرة تعسكر وتأسلم المناطق والقوى المناهضة لهذا النظام، عزّز القناعة بأن لا حلّ معقولاً يمكنه ألا يلحظ كنقطة بداية له، إخراج عائلة آل الأسد من الحكم.
الروس اختلفوا بشدّة مع هذا التصور، لكن ليس لأنهم انساقوا في الرؤية الإيرانية مثلاً، بل لأنهم اعتبروا أنه حان الوقت، في المسألة السورية تحديداً، لمزاحمة الأميركيين في أسلوب إدارة الصراعات المحلية والإقليمية.
والمسألة السورية دليل هنا على أن العالم غادر “منطقة ما بعد الحرب الباردة”، حيث كانت أميركا تستجمع تحالفاً “دولياً” لتأديب هذا واقتلاع ذاك. أولاً، لأن العالم لم يكن يوماً أحادي القطبية، حتى في اللحظة التالية لسقوط الشيوعية. وثانياً، لأن الولايات المتحدة كانت في موقع زعامة العالم حتى في عزّ الحرب الباردة مع الاتحاد السوفياتي، ولم يكن هناك تعادل أو تكافؤ بين “الجبارين”. واليوم، العالم يظهر أكثر من قبل أنه متعدد الأقطاب، وأن روسيا ما زالت القوة الثانية فيه، لكن أميركا في موقع الزعامة والتصدّر لا ينازعها في ذلك منازع، طالما هي الوحيدة القادرة على وصل المحيطات والبحار تحت هيمنتها بعضها ببعض.
وفي عالم كهذا، متعدّد الأقطاب، مع زعامة أميركية لا لبس فيها على المستوى الكوني، ودور في المقام الثاني لروسيا على المستوى القاري، الأوراسي، تأتي المسألة السورية كمسألة مستعصية من جهة، ولا يمكن تركها تستفحل لوحدها على أرضها، من جهة ثانية، من دون أن تبادر القوى الأساسية في عالم اليوم إلى وضع تصوّر للخروج من هذه الكارثة. وأوباما، قدّم في هذا المجال تصوّره، التصور البيئي، الإيكولوجي، للمسألة السورية. قال إنها مسألة صارت تهدّد أمن وسلامة العالم والأمن القومي الأميركي على حد سواء. قال إن النظام هو الذي ارتكب المجازر بالسلاح الكيماوي وهزأ من شطط من يكابر على هذه الحقيقة. شدّد على أنه لا مستقبل لسوريا إلا برحيل بشار الأسد. شدّد على ضرورة عدم تهديم ما بقي من معالم الدولة السورية. أحاط بمسألة الأقليات، وذكر العلويين بالاسم، وضرورة حمايتهم من تداعيات سقوط نظام وصل لاستخدام الكيماوي وهو محسوب عليهم.
هذا التصوّر “بيئي”. يتعامل مع سوريا والمنطقة على أنه ينبغي قدر الإمكان منع تمدّد الإشعاعات القاتلة منها إلى أماكن أخرى من العالم. التصور بيئي بمعنى أنه يفكر بإنشاء محميات. محمية منقاة من السلاح الكيماوي. محمية ما تبقى من معالم الدولة. محمية للأقليات، للعلويين.
لا يمكن أن يكون هو نفسه التصور الوطني للثورة السورية، الذي مهما حاولنا ترجمته نثراً، فهو يحتفظ بملحمية الصراع بين “الشعب” وبين “الاستبداد”.
مع ذلك، فلا مناص من التكيّف، قدر الإمكان، مع الرؤية البيئية الأوبامية هذه، خصوصاً وأنها تنطلق من المقاربة الأكثر واقعية لطبيعة التناقضات في عالم اليوم. التكيف يعني أنه على قوى الثورة السورية بالدرجة الأولى الإصرار على الدمج بين تفكيك النظام وبين تفكيك ترسانته الكيماوية، والانفتاح على فكرتَي إنقاذ ما بقي من معالم الدولة، وضرورة عدم المكابرة على طبيعة الانقسام الأهلي الحاصل.