#adsense

هل الضاحية حقاً في قلب الدولة أم أن قلب الدولة رهينة لديها؟

حجم الخط

 

“كانت مواعيد عرقوب لها مثلاً وما مواعيدها إلا الأباطيل”
(كعب بن زهير)

في أحد الخطابات الموثقة صوتاً وصورة للامين العام لـ “حزب الله” حسن نصر الله ،أيام انغماسه في نشر عقيدة الولي الفقيه في الثمانينيات، أنكر على “القوات اللبنانية” طرحها لمشروع الفيدرالية، مؤكداً أن أراضي جبل لبنان هي ملك للشيعة في الأساس ولا يحق للمسيحيين بالتالي اقتطاعها في أية تركيبة جغرافية أو ديموغرافية جديدة للبنان.

الحقيقة هي أن طروح الفيدرالية أو التقسيم مرفوضة أساساً من حزب ولاية الفقيه لأن المشروع الأصلي يشمل لبنان بأكمله وهو أعلن في خطاب آخر أن مشروع مد سلطة الولي الفقيه إلى لبنان هو واجب ديني وعقائدي، ولكنه لن يتم إلا بعد اقتناع الأكثرية العظمى من اللبنانيين به، وكان ذلك منذ خمس سنوات.

لذلك فإنه من الإفتراء بمكان أن يتهم حزب ولاية الفقيه بالسعي إلى التقسيم أو حتى اللامركزية الموسعة، فما يسعى إليه هو دولة مركزية ذات نظام حديدي مرصوص يتناسب مع “مجتمع المقاومة” وبمرجعية واحدة سياسياً وفقهياً وتشريعياً وهي مرجعية الولي الفقيه.

بل وأكثر من ذلك، فما يسعى إليه هذا الحزب هو دمج لبنان في وحدة كبرى هدفها الأساسي هو توسيع سلطة الولي الفقيه، وقد أشار إلى ذلك نصر الله في أحد خطاباته الأخيرة باستكبار واستخفاف، عندما أكد انه قادر على السيطرة على أراض تفوق بمساحتها عشرات أضعاف لبنان، ولو أراد السيطرة على لبنان فالإمكانيات متوفرة لديه. وقد يمننا هنا السيد بأنه سيوسع حدود لبنان لتصل إلى بحر قزوين والهند ويصبح بحر العرب بحراً لبنانياً.

لماذا كل هذا الحديث الآن؟
لأنه قد يجد البعض في مسألة قبول الحزب دخول القوى الأمنية الشرعية إلى إقطاعيته غير الشرعية بأنها بادرة خير قد يبنى عليها لإعادة الإستقرار المفقود إلى البلد، وقد يبالغ البعض في الإفتراض بأن هذا الأمر قد فرضته المتغيرات الإقليمية المرتبطة بالملف السوري والإيراني.

وأكثر من ذلك قد يستنتج البعض بان هذا الإجراء ما هو إلا مقدمة للحوار اللبناني الذي سيؤدي إلى حل قضية السلاح غير الشرعي.

خطاب نصر الله تضمن مبالغات في تسويق هذه الخطوة وحاول التركيز عليها لتحويل الأنظار عن وقائع الأمور.
قد يرى البعض أيضاً بكل ذلك ومضة تفاؤل كنت أحاذر إحباطها لندرتها! ولكن هذا لا يمنعني من التحليل المنطقي لهذه الخطوة، أسرده كما يلي:

ـ ليست المرة الأولى التي يعلن فيها عن انتشار للقوى الأمنية الشرعية في إقطاعيات الحزب ولم تؤد الخطوات السابقة إلى أي تغيير يمكن التعويل عليه على أرض الواقع.

ـ لم يلجأ حزب ولاية الفقيه في السابق ولا الآن إلى القوى الشرعية إلا لتفادي “سواد الوجه” أو التخفيف منه، إن كان مع جمهوره أو مع غير جمهوره. ففي السابق تفادى الإصطدام مع العصابات الإجرامية وميليشيات العشائر من جمهوره مطلقاً مقولة “الأمن من الإيمان!”، واليوم وبعد أن وسع رقعة انتشاره الأمني ليعتدي بها على من هم من غير جمهوره بعد أن طالت حواجزه تخوم الحدث والحازمية والشويفات، يسعى من هذه الخطوة إلى التخفيف من الإحتكاك مع أبناء تلك المنطقة الذين يسعى لإقناعهم بأنه يدافع عنهم ضد المتطرفين في سوريا وفي العراق وفي لبنان.

ـ يريد الحزب ان يتفادى جدلاً إضافياً حول عصيانه على الدولة والإهتمام بالملف السوري، والذي يشكل اليوم بالنسبة له قضية وجودية.

ـ يريد الحزب التخفيف من استنزاف عناصره والتفرغ إلى همه الأول وهو القتال في سوريا على المدى المنظور.
ـ على الرغم من كل التصريحات الرسمية التي تتحدث عن حرية الدولة في خيارات التحرك العسكري في الضاحية وفي انتقاء التشكيلات للقوى الأمنية، فبمجرد أن يكون دخولها بالتراضي مع الحزب فهذا يعني أن تحركاتها ومجال عملها وحدود سلطاتها ستكون أيضاً بالتراضي، وأن خروجها أيضاً سيكون رهناً بإرادة الحزب.

لقد اعتدنا مع نصر الله على الكلام ذي الوجوه المتعددة، وعندما يقول إن الضاحية هي في قلب الدولة فالسؤال يكون “عن أي دولة تتحدث؟”.

ـ في المحصلة، إذا كان الكلام له مصداقية، فمصداقية الخضوع للدولة هي بوضع كل وسائل القوة بخدمتها والسعي إلى الإستقرار والمسار الديموقراطي. وهنا للحزب خيار واحد هو أن يخرج من سوريا ويستفيق من أحلام مشروع ولاية الفقيه الخرافي وأن يسلم السلاح والقرار إلى الدولة. وحتى ذلك الحين ليست الضاحية هي التي في قلب الدولة بل إن الدولة ستبقى رهينة في قلب الضاحية!

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل