أهمية تجربة الأمن الذاتي في الضاحية الجنوبية أنها أظهرت لـ”حزب الله” بأنّ تأييد بيئته لخياراته الاستراتيجية، لا يعني إطلاقاً تفويضه بإدارة أمنهم ويومياتهم الحياتية. وما ينطبق على الضاحية والحزب ينسحب على كل المناطق والميليشيات. فالجنرال عون بنى شعبيته مسيحياً على هذه الفكرة بالذات، علماً أنّ حقبة الحرب واضطرار “القوات اللبنانية” إلى تحمّل مسؤولية غياب الدولة تختلف جذرياً عن حقبة ما بعد الحرب وإصرار “حزب الله” على الاحتفاظ بترسانته وعرقلة قيام الدولة. والدكتور سمير جعجع لطالما ردّد أمام القواتيين إبان مرحلة تسليم القوات لسلاحها بأنّ الاحتكاك المباشر مع الناس كانت كلفته باهظة جداً، وأنّ من مصلحة القوات إزالة هذا التماس من أجل أن تتفرّغ إلى مشروعها السياسي، خصوصاً أنّ هدفها الأول والأخير عودة الدولة إلى ممارسة دورها ومهامها، وبالتالي الناس ضد أي مظاهر أمنية خارج إطار الدولة وحدها.
وإذا كان ليس تفصيلاً أنّ “حزب الله” الذي يحلم بحكم لبنان يعجز عن حكم الضاحية، غير أنّ خطورة هذه التجربة أنها ستجعل الحزب أكثر تصميماً على وضع يده على الدولة بغية أن تتولى بالنيابة عنه المسؤوليات الأمنية المباشرة. ومن هنا التحدي الأساس يبقى في المواجهة الكبرى مع الحزب تحت عنوان استعادة القرار الوطني المسلوب، وما حصل في الضاحية لا يمكن إدراجه في خانة تقدم منطق الدولة على منطق الدويلة، إنما مجرد بروفا لـ”حزب الله” خرج بموجبها أكثر إدراكاً لأهمية فرض وصايته على الدولة.
وتجربة الأمن الذاتي لا تخرج عن سياق تجارب أخرى أبرزها المواجهات بين العشائر الشيعية التي يفضّل “حزب الله” عدم الدخول طرفاً فيها، وترك مهمة معالجتها للدولة وحدها، لأنّ خلاف ذلك سيجعله يخسر من رصيده لدى الفئتين، ويظهر بمظهر العاجز عن وضع حد لهذه المواجهات. فالحزب يفضّل عملياً أن ينأى بنفسه عن كل ما يتصل ببيئته تجنباً لأي احتكاك يفضي إلى تراجع الالتفاف حول خياراته وأهدافه.
ولذلك، ما قامت به الدولة في الضاحية هو خدمة لـ”حزب الله”، ويصب في مصلحته المباشرة، ولكن هذا لا يعني بالمقابل تخليها عن مسؤولياتها الأمنية في الضاحية والمناطق الأخرى، إنما المقصود أنّ انتشارها داخل بيئة الحزب مسألة طبيعية وبديهية، والمشكلة لم تكن يوماً معه من زاوية ظهوره المسلّح أو تعدياته الفاضحة على الناس وتجاوزاته الأمنية، إنما المشكلة كانت وما زالت في مصادرته للقرار الاستراتيجي للدولة في لبنان، وفرضه على اللبنانيين أجندته الإقليمية، ورفضه مبدأ الشراكة عبر تفرّده بقيادة البلد نحو الهاوية، والتذرّع بمقاومة شكّلت أول انقلاب على اتفاق الطائف.
ومن هنا تضخيم الخطة الأمنية في الضاحية مسيء إلى الدولة وعقول اللبنانيين، لأنّ ما قبل الانتشار لن يختلف عمّا بعده، وعلى رغم أنّ الكلمة الفصل في مناطق تواجد “حزب الله” تبقى له، وجنوبي الليطاني أكبر دليل، إلّا أنّ الأساس يبقى في مكان آخر ويتصل بالمواجهة الكبرى مع الحزب تحت عنوان استعادة ما للدولة للدولة.
ولا يجب التقليل من عامل مهم أيضاً هو أنّ مشروع “حزب الله” السيطرة على كل شبر من لبنان، وأنّ الترسيمات الطائفية والمذهبية والمناطقية تشكّل خطراً على مشروعه، وبالتالي خشيته من أن تحذو فئات أخرى حذوه دفعه إلى الإسراع في تسليم أجهزة الدولة، التي يعتبرها من أهل البيت، أمن الضاحية الجنوبية، لأنّ توسّع ظاهرة الأمن الذاتي يؤدي إلى تقليص نفوذه وحركته، ومن دون إغفال أيضاً كل محاولاته لوضع هذه الأجهزة بالذات في مواجهة مع البيئة السنّية في صيدا وبيروت وطرابلس وعكار…
فالمشكلة مع “حزب الله” لم تكن يوماً في أمن الضاحية أو الجنوب والبقاع، وهي قد تكون مشكلة شيعية-شيعية لجهة أنّ هذا الواقع الأمني يعطّل ويغيب الحراك السياسي المناهض للحزب، إنما المعضلة تكمن في مشروعه الإقليمي وتمسكه بسلاحه وتغييبه للدولة، وإذا كانت “الدولة وحدها المسؤولة”، وفق السيّد حسن نصرالله، فلماذا لا يسلّمها قرار الحرب والسلم؟ ولماذا لا يبدأ تدريجاً بوضع هذا القرار داخل مؤسساتها دون تسليم سلاحه في المرحلة الأولى؟
والوضع في الضاحية يختلف عن وضع طرابلس، حيث أنّ البعض قفز إلى المقارنة من باب المزايدة أنّ أهل الضاحية مع الدولة، فيما أهل طرابلس ضد الدولة، وفي الواقع أنّ المقارنة لا تجوز لجهة أنّ الأمن في الأولى ممسكوك كلياً من قبل “حزب الله، فيما تشهد عاصمة الشمال صراعاً مزدوجاً: الأول بين جبل محسن وباب التبانة، والثاني يدخل في سياق محاولات تدجين الحالة الطرابلسية التي شكّلت بيئة حاضنة للثورة السورية، الأمر الذي يستدعي التنبّه والحذر من التذرع بالخطة الأمنية في الضاحية لسحبها على طرابلس في سياق المشروع القديم-الجديد المتمثل بإخضاع البيئة الطرابلسية.
ويبقى أنّ الترحيب بانتشار القوى الأمنية في الضاحية واجب، إنما من الخطأ اعتباره خطوة أولى على طريق الألف ميل، أو وضعه في سياق لبننة “حزب الله” وعودته التدريجية إلى مشروع الدولة، هذا المشروع الذي يريده الحزب بشروطه وعلى قياسه ليتمكن من التفرغ لمواجهته الأساسية تحت عنوان تعزيز محور الممانعة في مواجهة عرب الاعتدال.
ولذلك، فشل الأمن الذاتي سيجعل “حزب الله” أكثر تصميماً للهيمنة على قرار الدولة لمنعها من توسيع رقعة نفوذها ووضعها في خدمة أهدافه ومآربه، بمعنى أن يتحوّل إلى حزب بعث الدولة اللبنانية، وبالتالي المهم ليس أن تتولى الدولة الأمن، إنما الأهم منع “حزب الله” من تحويل الدولة إلى أداة طيعة بيده.
